نافخ الكير

محمد نصّار قرأها 960
 

نـافخ الكيـر

قصة قصيرة

محمد نصار

لحظات داهمني فيها خوف الدنيا بأسرها وأطبق معها جنون الخلائق كلها، لحظات حاصرتني بهولها.. بجحيمها، فكنت فيها الطريد والمطارد.. القتيل والقاتل.. لحظات اختلطت فيها الأشياء وتداخلت على نحو كاد أن يسمني بالجنون أو يسمه بي، وأنا هائم على وجهي بلا هدف ولا غاية، تقنادني الخطى إلى حيث لا أدري أو أريد، تقتادني مضغوطاً بعصف الأشياء في رأسي وزحام الشارع من حولي، فلم أدر حينها كيف تهاوى الرجل أمامي متهالكاً، كل ما أذكره أن يده انطوت على مكان في صدره، احتضنته بقوة وألم، والأخرى امتدت نحوي محاولة التشبث بي.. الاتكاء عليّ، فخارت قواه قبل أن تصلني. جحوظ عينيه والرعب البادي فيهما، هما ما علق في ذهني من ملامحه، جسده الذي تكوم أمامي كعصف مأكول، هو ما انطبع في مخيلتي من بقايا صورته، شخر لمرة، انتفض بعدها بقوة، ثم همد بلا حراك. وقفت أحدّق في الرجل الذي أصبح في لحظة سيريالية جثة هامدة وبداخلي ذهول لا حد له، وانفعال يوشك أن يطيح بي إلى جواره كومة أخرى، فلم أشعر بالتحول الذي جدّ من حولي ولا بالجموع التي أخذت تفر في الاتجاهات كلها، لكن دفعة قوية من أحدهم أعادت إليّ شيئاً من توازني المفقود وفتحت عيني على بشاعة المشهد وسوداويته. صوت الرصاص الذي طغى على صراخ الكائنات ونواحها، دفعني لاقتفاء أثر الجموع، فسرت من شارع إلى شارع ومن زقاق إلى آخر وجحيم يطاردني في كل شبر، يصلاني بحممه المجنونة ولهيبه الذي انتشر في الفضاءات كلها، صوت المكبرات يأتي من كل الأمكنة، فيستعر الكون ويضطرم بفعله، يهيم الخلق على وجوههم.. يوغلوا في التيه أكثر.. في الجحيم أعمق ونافخ الكير يلاحقهم بسعار وجنون. أحاول الخروج من هذا الجنون، فتضيع السبل مني.. أفتش عن منافذ أخرى، فلا أجدها.. أتوارى حيناً وأطلّ أحياناً كثيرة، فيداهمني أزيز الرصاص وضجيج المكبرات الملعونة، أبحث عن ركن يأويني إلى حين، فيطالعني وجه عجوز تطل على المشهد من شرفة بيتها، ناديتها فلم تسمعني، كررت النداء فلم تبد استجابة، كل ما في الأمر أنها نظرت إلي بإشفاق وأشاحت بوجهها عني.

حركة مريبة ثارت خلف السور الذي احتمي به وضجيج راح يعلو باضطراد مستمر، ثم تحول في لحظة غريبة إلى عواء ومواء وثغاء.. نهيق وصهيل ورغاء، صخب أثار بداخلي خوفاً من اقتراب الموت مني، نظرت عبر شق في الجدار الذي يفصلني عن المكان، فهالني ما أرى، إذ لم أشاهد أثراً لأنسي بداخله ولكني شهدت عراكاً دامياً بين كل الكائنات فيه، رفس وقفز ودماء، آنية تطير وأخرى تنقلب على وجهها.. صغار تداس وأخرى تتخطفها جوارح تهبط من السماء، غبار يعلو فتغيب الصورة عني ويبقى ضجيجها قاراً ينساب في أذني ورعباً يصهر مفاصلي.

أجهدني العرق وانحسر الهواء من حولي متلاشياً، فشعرت بالروح وهي تغوص في أعماقي.. تتسرب من بين أصابعي.. تهوي إلى جحيم لا قرار له، فباغتني رنين الهاتف حينها، جاء ضعيفاً واهناً، ثم راح يعلو باضطراد. رفعت يدي بإجهاد واضح وقلت : نعم.

-       أراك لا تقوى على نطقها.

-       أنا كذلك بالفعل.

-       هذه حكاية إذن.

-       هي كذلك.

-       حدثيني بها حين تصل.

-       أين ؟.

-       ديليس.

-       خير؟.

-       سنخرج من هناك لزيارة أبي محمود في المستشفى.

-       ما به ؟.

-       سأخبرك حين تصل.

لم أكن بحالة تساعدني على الخروج، لكن الرغبة في الهروب من دائرة الرعب اللعينة، شجعتني على فعل ذلك، أخذت حماماً سريعاً، فأعاد لي شيئاً من طاقتي المهدورة ونزلت مسرعاً، أشرت لأول تاكسي صادفني فتوقف جانباً، "مقهى دليس".. قلت وأنا أنظر إلى المرأتين الجالستين في المقعد الخلفي خلسة، فأومأ السائق بعينه موافقاً، صعدت إلى جواره وبداخلي خوف من أحلام تتحقق في الغالب الأعم، فيصبح الخوف منها كابوساً يلاحقني في كل حين، همس المرأتين بدأ يتسرب إلى مسامعي متسللاً، فشد انتباهي للتركيز على تفاصيل أدق و أكثر عمقا.

-       أنا خالته وفي مقام أمه.. يرفع يده علي!.،

قالت إحداهن بانفعال واضح.

-       دنيا آخر وقت.

ردت الأخرى معلقة.

-       أين الدين.. أين القربى وصلة الرحم؟.،

تساءلت المرأة وارتجف صوتها.

-       ربنا يفرجها علينا.. عندك يا أخي.

نزلت المرأتان وصدى الأسئلة يرن في أذني، ينتزعني من عالم يضج بالحياة والصخب ليقذفني بين نبرات صوتها المفعمة بالحسرة والأسى، أحاول الهروب ونسيان ما حدث، فتستعيدني بحة صوتها المرتجف.

-       وصلنا يا أستاذ.، قال السائق وتوقف جانباً.

-       يبدو أني لم أنتبه.

وقفت للحظة أتأمل المكان، أستعيد شيئاً من واقع بدا غريباً عني إلى أبعد حد.. من توازني الذي يتسلل في معظم الأحيان خلسة ولا يعود إلا بعد جهد وعناء. خطوت باتجاه الردهة، جلت في الوجوه التي تطالعني فلم يستثرني أي منها، بدت لي متشابهة في كل شيء، حتى تلك التي شفرت وغابت ملامحها خلف الأقنعة، بدت مطابقة تماماً لتلك التي تحاصرني بطبقات مكياجها ورائحة العطر المنبعثة منها،. صوته المألوف إلى أذني قادني إليه، كان إلى جواره رجل لاأعرفه وبمجرد أن مد يده قال معرفاً:

-       يوسف الاستاذ،

فهمست بإسمي وجلست دون أن أبدي كثيراً من الاهتمام، مما حدا بصاحبي لأن يوضح قائلاً:

-       الاستاذ يوسف جاري في البناية وصهر صديقنا أبو محمود.

فأعدت الترحيب بالرجل مرة أخرى وسألته عن صهره، فاختلجت ملامحه وبدت الحيرة عليها، ثم قال بنبرة يغلبها الأسى:

-       ربنا يكون في عونه.

في الطريق استوقفنا حشد تجمهر أمام أحد المحال، وشد انتباهنا تدافع آخرين يؤزهم الفضول وهم يتقاطرون للوقوف على ما حدث، فساد لغط في المكان وزحام أدى إلى تعطل الحركة فيه، ثم باغتنا اندفاع رجل خرج من بين الصفوف كالمجنون هائماً.. صاح بملء فيه:

-       الله أكبر ياناس.. الله أكبر، قتل الرجل من أجل شيكل!.. أإلى هذا الحد باتت حياتنا رخيضة؟.

-       ماذا!.

خرجت منا في آن واحد. ثم غاص الرجل في الحشد مرة أخرى وترك لنا مهمة البحث عن إجابات مقنعة، فأوعزتُ إلى السائق أن يبحث عن طريق آخر، فأمن الرجل على قولي وانتهز فرصة الاقتراب من أول زقاق صادفنا ودخل فيه، ثم عرج على زقاق آخر بدا أضيق من سابقه، وقبل أن ينتهي إلى طريق رئيس وصل إلى مسامعنا صوت الرصاص، بدأ خفيفاً.. متقطعاً، ثم انهمر كغيث ألقته السماء.

-       رأيك طلع في محله يا أستاذ.

قال السائق موجها الحديث إلي

-       كان الأمر متوقعاً.

أجبت باقتضاب ولفّنا صمت.

نزلنا من العربة فراودتني حيرة من وقوفها في هذا المكان، ملت على صاحبي وسألته بشيء من الذهول:

-       ما الذي جاء بنا إلى هنا ؟.

-       أبو محمود.

-       أيرقد هنا؟.

-       وهل توقعت لرجل قتل ابنه لدواع لا يقبل بها الشيطان، غير هذا المصير أو الموت كمداً عليه؟.

صمتُّ وثقل الكون كله يرزح فوق رأسي، مشيت وظلمة دامسة تعشش في نفسي، اجتزت الممرات وضحكات ممزوجة ببكاء وعويل ترن في أذني، توقفنا أمام واحدة من تلك الغرف، نظرت في الوجوه، فخلتها جميعها تعرفني، دنوت من الرجل.. صافحته ببرود لايقل جموداً عن برود يده، وتركته لصمته وبعض المداعبات التي تبدر عن صاحبي، غصت في المكان الذي شدني على نحو غريب، همت في الوجوه التي باتت أقرب إلي من كل شيء، رحت أحدق في معالمها.. أتفحص دواخلها.. استقرأ ما يجول فيها، فما شعرت إلى وصاحبي يهم بالمغادرة، نظرت إليه وبداخلي رغبة في البقاء، كدت أن أبوح له بذلك، لكن شيئاً لجمني ودفغني لاتباعه رغماً عني، فسرت متحاملاً على نفسي وقبل أن نصل المدخل الرئيس اقترب منا رجلان، سألا عن سجائر، فأخرجت اثنتين، أشعل الأول واحدة ومضى وهمس الثاني في أذني كصديق حميم: مارأيك في فعلنا؟. وأشار بيده صوب أعلى المدخل، نظرت إلى حيث أشار، فغرقت في موجة من الضحك، نظر صاحبي إلى ذات المكان وراح يقرأ اليافطة التى تقابلنا بصوت مسموع "مستشفى الأمراض النفسية والعصبية".

moh-nassar@hotmail.com