من يذكر صاحب رواية "الرغيف"؟
غيَّضْنَ من عبراتهنَّ وقلْنَ لي: ماذا لقيتَ من الهوى ولقينا؟
وفي الجواب أقول: لا شيء، فقلبي على مدى الثانية والثمانين من عمري، لم يخفق بالحب الحقيقي مرة واحدة،
وهذا هو بلائي الأعظم.
إلا أنني، في هذه المقالة لن أتحدث عن القلب، وشجون القلب، وتمثيلية (قيس وليلى)، فهي مخترعة شكلاً ومضموناً، كما هي تمثيلية (جميل وبثينة) وكل التمثيليات المشابهة، وهذا الإرث من الغراميات، فيه، وحده، علينا أن نقرأ تاريخ الأسلاف، الذين يعنينا أمرهم، منذ أن قال ملك الحيرة، في الجاهلية، أي قبل ثلاث مئة من الإسلام:
أعلّمُهُ الرمايةَ كلَّ يومٍ
فلما اشتدَّ ساعدُهُ رماني
وكمْ علّمتُهُ نظمَ القوافي
فلمَّا قال قافيةً هجاني!.
والأصل استد ساعده، أي أصبح يجيد التسديد، غير أن الكلمة الشائعة هي اشتد، وكل شائع في الإبداع هو الإبداع المعوَّل عليه، أحياناً. لكنني الآن بصدد الكلام على الرواية، وليس على خفقان قلبي، لأن الله تاب علي من هذه الناحية، ولن أردِّد قول قيس، المجنون حباً:
قضاها لغيري وابْتلاني بحبِّها
فهلاّ بشيءٍ غيِر ليلى ابْتلانيا؟
أو أستطرد أكثر مما فعلت، أو أتعب القراء الكرام، الذين سيقولون، وهم على حق: وماذا بشأن رواية (الرغيف) التي جعلتها عنواناً؟
إن اسم الروائي، توفيق يوسف عوَّاد، اللامع كالبرق في السَّبق، لن نضيف إليه شيئاً إذا قلنا إنه كان كبيراً، ولن نغني سيرة حياته الروائية إذا قلنا إنه كان مبدعاً، فهذا من البديهيات بالنسبة لمن يعرفونه، لذلك نختصر فنقول: كان فناناً أصيلاً، والفنانون، بالنسبة لأية أمة، ليسوا عنوان حضارة فحسب، وليسوا كذلك عنوان سفارة لنا عند غيرنا. إنهم، وهذا هو الأهم، قادة رأي، يمنحون الرؤية بقعة ضوء في حلك الظلمة، ومن يراعتهم، وفيها، ردعٌ لكل منكرة. في الظلم كانت، أو في الْتِواء السبيل. ولنا في التاريخ مواقف، كان فيها أصحاب الكلمة غير هيّابين في قول الحقيقة، أو في الاستشهاد دونها، وهذا غاية المفاداة، حين يتطلبها الجهر بالرأي، وحين يستدعيها التمسك به أيضاً.
في هذا المفصل، لو كان للتحية أن تأخذ مدى الدراسة، لوجب علينا أن نتوقف قليلاً، أن نتهيب كثيراً، فقد كان توفيق يوسف عواد ثورياً، وكان أصيلاً في ثوريته، على شيء من الطابع المأسوي، الذي تجلى في روايته الرائدة (الرغيف)، وهي صرخة إدانة لكل مظالم الاحتلال الطوراني للبنان وسورية والأقطار العربية الأخرى.
ولئن كانت الرواية شأني، فإن رواية توفيق يوسف عواد، كانت شأناً جليلاً بالنسبة لتطوّر الرواية العربية اللاحق، وعلى يديه، هو بالذات، كانت البداية. إنه، بإيجاز، مؤسس في هذا الجنس الأدبي، إضافة إلى كونه رائداً. وقد جاءت روايته (الرغيف) أشبه بحجر الزاوية في المدماك الروائي العربي، بما انطوت عليه من نضج فني، سرداً وحواراً، ومن معلمية في الإيقاع والتشويق، ومن أسبقية في التقاط الواقع، على مهادٍ من الابتكار والتخييل، يسمح لنا، بعد هذا الزمن الطويل، أن نعيد النظر في اعتبار (الرغيف) لا (زينب) لهيكل ولا (الأجنحة المتكسرة) لجبران، هي البداية الحقيقية للرواية العربية، مع استثناء رواية (قنديل أم هاشم) ليحيى حقي.
وقد تطورت الرواية العربية في شكلها الفني منذئذ، لكن تطورها، في (الرغيف)، ظل متكافئاً، ولم يختلف، مثلما هي الحال في روايات عربية أخرى، عن زمانه ومكانه، بسبب من أن التأسيس عند عواد، كان تأسيساً فعلياً، كما هو، في القرن التاسع عشر، عند ستاندال وبلزاك وفلوبير، وكان ولادة متكاملة، وحتى عملاقة، وذات أثر ملحوظ، في جيل الروائيين الآتين على دربه الممهد بروايته البكر، والممهد أكثر، وبصورة أشد استعلاناً، في (زقاق المدق) لمحفوظ، (والأرض) للشرقاوي، و(المصابيح الزرق) لكاتب هذه الأسطر تالياً.
هذا رأي قابل للنقاش، تقتضي الضرورة طرحه لتصحيح تأريخية الرواية العربية المتعارف عليها حتى وقتنا الراهن، فقد كان توفيق يوسف عواد المَعْلم البارز، والمُفْتَتَح الرحب لرحلة الرواية العربية، في مسيرتها التي تتوجت بجائزة نوبل قبل أعوام طوال، وليس من شك في أن نجيب محفوظ، وعبد الرحمن الشرقاوي، وكل الروائيين المجايلين لهما، والتالين عليهما، قرؤوا (الرغيف) وتأثروا بواقعيتها الرومانتيكية، قبل أن يكتبوا رواياتهم الواقعية الرومانتيكية، التي شكلت منذ أربعينيات القرن العشرين تدشيناً للخط الروائي، والقصصي الواقعي، هذا الخط الذي ينتفض متألقاً، كلما حاول المحاولون وأدَه وترميده، والذي كان، وسيبقى، مهاداً لا غنى عنه، لكل المهادات التي أنكرته، ومع هذا أنبنت عليه، ذلك أن الواقعية استوعبت، وتستوعب، على الدوام، كل هذه المدارس والمذاهب، وتتمثلها عند الروائي الموهوب، لا عند كاتب تقارير شرطة المرور، المتسطح والفج، والممجوج أيضاً!
إنني أعترف، باحترام كبير، أن الروائي توفيق يوسف عواد، كان معلمي في الرواية التي أخذتُ بأسبابها، وعنه، أولاً، قبستُ الرؤية الواقعية واليومية للأشياء، ومعه توافقتُ على أن الأدب متعة ومعرفة، وبسبب انقطاعه عن كتابة الرواية ربع قرن من الزمن، أسفتُ أسفاً شديداً، وعندما أفطرَ بعد صيام عن الكتابة، وأعطانا روايته الرائعة (طواحين بيروت)، استقبلتُها بفرح تخطَّى بكثير فرحي بأي رواية أنجزتُها، إذا ما كان للكاتب أن يفرح بأعماله، وهذا مشكوك فيه، بالنسبة لي على الأقل.
إن دور الأدب والفن يتعاظم في وضعنا العربي السياسي المأزوم راهناً، يتعاظم لأنه، في المهمة التنويرية التي ينهض بها، قد أعطي هذا الدور تلبية لحاجة موضوعية ملحة، وتأتي الرواية في مقدمة الأجناس الأدبية الأخرى، لتحمل هم المواطن العربي وأزمته وخيباته، وكذلك آماله وأمانيه، ولتوقف، شيئاً فشيئاً، وبدأب وإصرار، اندياحة موجة يأسه المشروع، دون أن تقدم له التفاؤل الأحمق، في أن الزلزال المعروف، الذي هزَّ العالم، ومنه وطننا العربي، إلى زوال قريب.
لا، المسألة ليست كذلك، الدرب طويل، والمتعبون معذورون، ولن نلومهم إذا ما نشدوا الراحة، لكننا نحن، الذين نعرف أهمية الكلمة، ونفاذها، والذين خبروا مُكر التاريخ، في انعطافاته المفاجئة، لن نسمح لأية نكسة أن تغتالنا، وهذا، ببساطة، أحد الدروس المستخلصة من أدب وسيرة معلمنا وفقيدنا الغالي توفيق يوسف عواد، وروايته الرغيف الصادرة عام 1936.
في هذه التأملية شيء من الذكرى، وشيء من الدَّمع، أياسر بعدهما إلى تمجيد حروف زملائي الكتّاب العرب، التي استلهمتْ وألهمتْ، وإلى عبقر كان نسبَها دائماً، مؤكداً لهم أننا معهم، في جعل ثقافتنا العربية تستعيد دورها الوطني والقومي، في إطار من الديمقراطية العزيزة علينا، لأنها سبيلنا إلى تفعيل دورنا ما دامت الحرية أثمن من الخبز. وسنناضل لأجلها، على نطاق الوطن العربي كله، حتى تتحقق، وتتيح للتعبير الأدبي والفني أن يزدهر بها، وفيها.
إن مهمة إنعاش ذاكرة التاريخ الأدبي، ليست للتسلية، بل لفجِّ النار عما ترمَّد خوفاً من الأذى، وللجهر بأن الأدب في تعارض دائم مع السلطة في العالم كله، والتعارض غير المعارضة، إنه استئناف ضد الواقع، من أجل واقع أفضل، وفي هذا الاستئناف يليق القلم بحامله المناضل (اقرأ وربُّك الأكرم، الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسانَ ما لم يعلم). ولقد علم القلم أساتذة لنا كباراً، يطيب لي أن أذكر منهم المعلم فؤاد الشايب، صاحب المجموعة القصصية المبكرة (تاريخ جرح) وسعيد حورانية، أحد مؤسسي القصة القصيرة في سورية، والعبقري محمد الماغوط، وصاحب العشيات عبد السلام العجيلي، وسعيد كيال، المنظِّر الفذ، والشاعر وصفي قرنفلي، الذي صاح قبل ثلاثين عاماً:
يا شعبُ، يا شعبي،
وبعضُ القولِ لا يحكى فيُضمر
وصدقي إسماعيل، حلو الشمائل في ثقافته الموسوعية، والأعلام الثلاثة: بدوي الجبل وعمر أبو ريشة ونزار قباني، الظاهرة التي من الصعب أن تتكرر. والعذر، بعد، على الذاكرة، إن هي قصّرت، ولو تقصيراً بسيطاً، في تعداد المبدعين جميعاً، الذين رحلوا بعد تأدية رسالة الكلمة.
ونحن في الوطن العربي نسير على خطاهم في مناصرة دولة القانون، أو المطالبة بها، وتبيان ضرورتها، ونشدان العدالة الاجتماعية، والديمقراطية التي في جوها، وحده، خير الكلمة والوطن والشعب.