دليـلـة

محمد نصّار قرأها 802
  

دليـلـة

محمد نصّار

زرقة حالمة وموج يتهادى ناعساً.. عروساً في ثوب الزفاف، نسائم البحر يفوح شذاها في الفضاء منعشاً وشمس يداعب شعاعها صفحة الماء عقداً يلامس صدر غادة حسناء، قوارب صيد تحادي خط الأفق البعيد، فتبدو للوهلة الأولى لآلئ تدلت بخيط من السماء، رمال الشاطئ الذهبي تحتضن الموج كرضيع غفا على ثدي أمه، ثم غاب في سبات عميق وفي الجوار بضع صيادين يلوكون الفراغ برتق ما فسد من غزلهم، غير عابئين بوجوه تطل من نوافذ مشرعة على البحر، نوافذ لفنادق انتصبت خلفهم بشموخ يوازي حجم الألم المعتمل في الصدور، وجوه جاءت من أماكن بعيد لتقتنص فيض الحكايا المقبلة وشيئاً من عبق التاريخ.

الشارع المؤدي إلى وسط المدينة تشوبه حركة خجلى، سابلة يمرون، يلقون نظرات كسلى على محالَّ تراصّت بجانبي الطريق وسوّاق يبحثون في الوجوه عمن تخالجه رغبة في أن يشير بيده فلا يجدون. قلب المدينة يخفق بشيء من الصخب، صخب مرده باعة احتلوا الساحات والأرصفة، ثم كدّسوها ببضائع جاءت خلسة ودمغت برسم من دم، ليل المدينة عابس.. دامس، مثقل بالخوف والأرق وبضع مسلحين يجوبون العتمة تحت أعين تحصي الأنفاس والخطى، أما صبحها فبعد طول انتظار يهل منهكاً.. تعباً، لا يثير في الناس سوى أحاسيس بأن لديهم متسعاً من حياة، وشمسها تجيء خجلى ناعسة، تسعى جاهدة لاختراق حاجز القر الذي يلفهم، فلا يستوي لها الأمر إلا حين يمتطي قرصها صهوة السماء، حينها يستشعر الناس دفئاً يعيد إلى المدينة شيئاً من صخبها المعهود، صخب يشغل الناس عن موت يحوم في الفضاء محلقاً وحين واتته الفرص حل بالديار مزلزلاً.

انفجار يتبعه انفجار ودوي يليه دوي، دخان.. دمار وموت يستشري في الخلق كفطر حل بعد يوم عاصف بالمطر.. صراخ يزلزل الأرجاء.. أشلاء تملأ الفراغات والأمكنة، جموع تفرُّ وأخرى تبحث عن ملجأ يقيها موتاً يطاردها كصياد ماهر، صافرات تدوي.. حناجر تصرخ من فيض الألم وموت يبطش في الخلق بعنف وقسوة، يتدحرج في الأزقة والساحات كرة من لهب.. من جحيم.. من حقد معتق منذ آلاف السنين. ليل المدينة عاد موحشاً، مسكوناً بالموت والألم وصبحها جاء موشحاً بالسواد.. بالآهات.. بالجراح التي صارت أخاديد تنزف دما، صبر المدينة مشهود له، تعرفه الخلائق كلها.. تتغنى به وتتقلده حرزاً يقيها شرور الدهر والمحن، أما حجارتها فمن أبابيل وطيورها أطفال خبروا فنون الرماية والقنص، إذا حاف عليها الدهر أو طغى فهم ذخرها، لذا كانت المدينة تعرف سرها، فما وهنت ولا انطفأت نارها.