محمود أمين العالم ناقداً

د. رضوان القضماني قرأها 1,974
  

محمود أمين العالم ناقداً

د. رضوان القضماني

هل يصح، عندما نتكلم على محمود أمين العالم ونقول إنه فيلسوف (1) ومفكر رائد وناقد متميز، أن نضيف أمام كل لقب من هذه الألقاب كلمة: (ميداني)؟ لعل هذه الكلمة تفيه شيئاً من حقه وتسمه بالسمة الأساس التي يتصف بها ويحرص عليها وهي الالتصاق الدائم بالحراك الاجتماعي والثقافي والفكري والسياسي والنقديِ.

إنه علاقة بالواقع السائد لا من أجل قبوله والرضوخ له، بل من أجل تغييره بإعادة تشكيله، بعد اكتشاف جوهر صراعاته وتناقضاته، لا برفضه بل بالحوار معه. والمفكر الميداني هو ذاك الذي لا يمل من الحوار ولا يكل. وميزة الحوار هي البحث عن أوجه الاختلاف (لا الخلاف، فالخلاف رفض للآخر، والاختلاف اعتراف به وحوار معه) والاتفاق، وتقديم رؤية جديدة. الحوار عنده روح تبحث دائماً عن الوضوح، وهي روح منفتحة لا تسجن نفسها خلف قضبان قناعات ثابتة وعقائد يضفى عليها طابع القدسية، بل ترى في الفكر والنقد بنية حية تلتحم التحاماً عضوياً بالحياة والواقع. ولهذا كان العالم دائم الحضور في الفكر والنقد وكلِّ ما يدور حولهما من حوارات ومؤتمرات وندوات. كان من أبرز ممثلي الفلسفة الماركسية من العرب، لكنه كان دائماً يصر على أن الماركسية في كل بلد تبيّأ ببيئتها، وبذلك كان خصماً للتسليم الدوغمائي والتبعية، مصراً على الحوار والخصوصية، ولم يكف لحظة عن التأكيد أنه ضد الانغلاق بحجة الخصوصية، ونستطيع أن نعدد كتبه الكثيرة التي يمكن للقارئ أن يتعرف عليها في أية سيرة ذاتية ترفق بالحديث عنه. لكننا هنا نريد أن نؤكد هذه الميدانية التي تظهر في كتب له من مثل (أربعون عاماً من النقد التطبيقي)، و(الإبداع والدلالة. مقاربات نظرية وتطبيقية (2))، و(من نقد الحاضر إلى إبداع المستقبل، مساهمة في بناء نهضة عربية جديدة) (3)، اهتم العالم بالجميع من أجل الجميع من دون استعلاء أو إقصاء، فتميز بذلك عن طه حسين وعباس محمود العقاد اللذين فتحا معركة أدبية معه ومع شريكه (في الثقافة المصرية د. عبد العظيم أنيس، فعلّق العقاد على ما كتباه قائلاً: (أنا لا أناقشهما لأنهما شيوعيان)، بينما علّق طه حسين على مقالات العالم قائلاً: (يوناني وغامض لا يقرأ) (4).

كان العالم المنافح الأول عن الشعر الحر حين أصدر صلاح عبد الصبور ديوانه (الناس في بلادي، وكان أول من بشر بعبقرية نجيب محفوظ الروائية، وكان حائط الصد الذي يركن إليه كل جديد بعيداً عن كهنوت الأدب أو الدين أو السياسة، فقد وقف مدافعاً عن قصيدة النثر، ولم يخف إعجابه بعبد المنعم رمضان وحلمي سالم ورفعت سلام، ووقف وراء رفعت السعيد ونصر حامد أبو زيد، وكان يقول (السؤال الدائم هو الحداثة)، فكان أول من تكلم في الخمسينيات، على البنيوية في النقد وسماها حينذاك: الشكلانية في النقد.

أخذ بكتابة مقالات في النقد الأدبي قبل أن يحصل على درجة الماجستير في (فلسفة المصادفة) من جامعة فؤاد الأول (القاهرة اليوم) وقبل أن يسجل بحثه للدكتوراه في جامعة القاهرة حول (الضرورة في العلوم الإنسانية)، وقبل أن يعيّن مدرساً مساعداً للمنطق ومناهج العلوم في الجامعة ذاتها، وقبل أن يفصل من التدريس فيها عام 1954. نشر مقالاته النقدية في جريدة حزب الوفد: (المصري)، وشاركه في بعضها صديقه وزميله عبد العظيم أنيس (5) حين فتحا معاً حواراً واجها فيه المعركة التي شنها ضدهما طه حسين. ثم راح العالم ينشر كتاباته النقدية في مجلة (روز اليوسف)، إلى أن بدأ سلسلة مقالات نقدية في مجلة (الرسالة الجديدة) التي كان مديراً لتحريرها حتى عام 1958، أي حتى اعتقاله بين عامي 1959 و 1964.

عمل بعد الإفراج عنه محرراً أدبياً في مجلة المصور الأسبوعية، إلى أن سافر في عام 1972 ليدرِّس في إكسفورد، ثم في باريس الثامنة مع صديقه جاك بيري، ليعود في عام 1984 ـ بعد موت السادات ـ ليصدر كتاباً غير دوري بعنوان: (قضايا فكرية)، وعنوان (فرعي) من أجل تأصيل العقلانية والديمقراطية والإبداع)، تمكن من أن يصدر منه عشرين كتاباً.
كتب طه حسين في جريدة (الجمهورية) مطلع عام 1954 مقالة عنوانها: (صورة الأدب ومادته) قدم فيها النظرية القديمة التي تنطلق ـ برأيه ـ من مقدمتين رئيستين: (اللغة هي صورة الأدب، والمعاني هي مادته)، أضاف إليهما طه حسين مقدمة ثالثة سماها العنصر الجمالي الذي لم يوضحه في تلك المقالة ولم يشرحه. وكانت تلك المقالة فاتحة معركة أدبية بين طه حسين وعباس العقاد على صفحات جريدة (أخبار اليوم) من جهة، يقابلهما محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس على صفحات جريدة (المصري) من جهة أخرى.

وضح العالم رؤيته للأدب وصورته ومادته، فبين أن فهم المدرسة النقدية القديمة/ المعاصرة للأدب يبقى قاصراً ما دامت تلك المدرسة تحصر فهمها له في العلاقة بين صورة الأدب ومادته، لأن هذا الفهم ينطلق من قواعد فجة تفصل الأدب عن حركة الحياة. ويرى العالم أن قصر الصورة على اللغة، وقصر المادة على المعاني لا يكشف عن إدراك سليم لحقيقة الظاهرة الأدبية، فالصورة ليست لغة فحسب، لأن اللغة فيها أسلوب، والمعاني ليست وحدها مادة الأدب، بل هي إحدى أدواته. المعاني كالألفاظ وسائل وأدوات (6)، وعندما نقرأ اليوم ـ أي بعد مضي أكثر من نصف قرن على صدور الطبعة الأولى من (في الثقافة المصرية) ـ ما كتبه العالم في رده على طه حسين نحسُّ بتفريقه الحدي بين المادة والصياغة (التي نسميها اليوم بنية النص) من جهة، وبين الشكل والمضمون من جهة ثانية، ونلمس في ثنايا ما كتبه العالم تقابلاً رباعياً يخلف التقابل الثنائي: الصياغة/ المضمون على النحو الآتي:

مادة الشكل/ بنية الشكل

مادة المحتوى/ بنية المحتوى

فمادة الشكل هي لغته، وبنية الشكل هي علاقات وتقنية خارجية (بنيوية أو شكلانية، كما يسميها العالم) تقوم عليها مادة الشكل أي لغته، أما مادة المحتوى فهي مضمونه، أي: المكون الرئيس في دلالته ـ وليس المكون الوحيد. أما بنيته فهي عملية صياغة المضمون في أسلوب يبرز عناصره ومقوماته، أي في تشكيلات دلالية، إذا ما لجأنا إلى اصطلاحات النقد اللساني ـ قامت على مادة المحتوى، أي على مضمونه. ويظهر هذا في قول العالم): ولكن صورة الأدب كما نراها ليست هي الأسلوب الجامد، وليست هي اللغة، بل هي عملية داخلية، لتشكيل مادته وإبراز مقدماته، ننتقل بها داخل العمل الأدبي من مستوى تعبيري (أي شكلي ـ حسب اصطلاحات النقد اللساني) إلى مستوى تعبيري آخر.(7).

وليست المعاني مادة العمل الأدبي ـ كما يقول طه حسين ومدرسته النقدية التقليدية ـ بل هي عمليات أيضاً، تتحقق داخل العمل الأدبي نفسه، وهي عمليات متشابكة متفاعلة لا تعسُّف فيها ولا افتعال. يقول العالم: (المعاني وحدها قيم متحجرة لا تصلح مادة للعمل، بل هي وسيلة من وسائله المختلفة لتحقيق أحداثه وخلق ارتباطاته المتكاملة.(8).

يسوق العالم مثالاً: شعر أحمد شوقي ـ أمير الشعراء ـ ليؤكد أن الصياغة الفنية، وفق هذا المفهوم، تكاد تكون معدومة في شعره. فالقصيدة عنده أبيات منفردة لا تربطها وحدة فنية، والوحدة الفنية ليست وحدة الموضوع فحسب. وأمير الشعراء ينظم القصيدة في ثلاثمئة بيت عن الحرب أو التغني بآثار مصر القديمة مثلاً، ولا رابط بين هذه الأبيات سوى وحدة القافية ووحدة الوزن وحقل واحد يجمع الموضوع بما احتواه من قريب أو بعيد.

يناقش العالم العنصر الثالث الذي أضافه طه حسين إلى الصورة والمادة وهو الجمال، فيشير إلى أن طه حسين تركه مفهوماً غامضاً لا ندري كنهه، أهو البلاغة، أم أجمل بيت قالته العرب، أم هو الحسن نقيض القبيح؟ يحدده العالم: مؤكداً أن الجمال في الشعر ليس أن يَنشُد الكمال والجلال، بل أن يحقق الاتساق والانسجام (الهرمونيا) والتآزر بين الصورة والمادة، وتكامل العمل الأدبي. الأدب ـ كما يراه العالم ـ بناء متراكب ينمو داخلياً ليصوغ واقعاً اجتماعياً صياغة متسقة (9). ولعل مثل هذه الرؤية للأدب هي التي دفعت النقاد إلى أن يطلقوا على العالم لقب رائد النقد الواقعي في الأدب. لكننا لا نعدم تحديداً للنقد الأدبي عند العالم حين يقول إنه استيعاب لمقومات العمل الأدبي كلها، وما يتفاعل فيه من علاقات وأحداث وعمليات.(10).

لعله فعلاً رائد النقد الواقعي، لكن ليست على طريقة (الواقعية الاشتراكية) التي تقوم على مقدمتين: نظرية الانعكاس، والبطل الإيجابي (النموذج). نشير إلى ذلك لأنه رفض استعمال لفظ (الانعكاس) ونعته بأنه سيئ الصيت، وأشار إلى أن نظرية الانعكاس التي جاءت بها الواقعية الاشتراكية أساءت في تحديد العلاقة بين الأدب والواقع، واستبدل بلفظ (الانعكاس) لفظ (التجلي)، وقال إن الأدب هو تجل إبداعي للواقع وليس انعكاساً له.

حدد العالم خمس خصائص للشعر الجديد، شعر ما بعد شوقي وحافظ، وما بعد مطران وشكري، وما بعد أحمد زكي أبو شادي ومحمود حسن إسماعيل، وقد حدد هذه الخصائص بمقارنة الشعر الجديد مع شعر هؤلاء. كانت الخصيصة الأولى عودة الشاعر إلى الارتباط بالحياة الاجتماعية العامة. والثانية هي الصياغة الجديدة التي اعتمدت التفعيلة وانعدام التقفية الواحدة بالانتقال إلى التقفية المتراوحة، والحوار الجانبي، والتعبير بالصور الفنية لا بالصور البلاغية. وكل هذا وسائل صياغية متكاملة لإبراز الموضوع فنياً. وللتدليل على هذه الصياغة الجديدة يسوق أمثلة عدة للمقارنة، نأخذ واحداً منها: المقارنة بين قصيدة حافظ إبراهيم عن دنشواي، وقصيدة لصلاح عبد الصبور عن الحادثة ذاتها. يقول الأول:

في دنشـوايَ وأنتَ عنـّـا غـائبُ

لعب القضــاءُ بنا وعَـزَّ المهربُ

حَسبوا النفـوسَ من الحمـام بديـلةً

فتسـاببوا في صيدهـن وصـوّبوا

نُكبـوا وأقـفرتِ المنـازلُ بعـدَهُمْ

لو كُنتَ حـاضرَ أمرهم لمْ ينكبـوا

وهو بهذا يخاطب اللورد كرومر. ويعلق العالم على ذلك قائلاً: إنه شعر يقوم على صور وصفية عن الحادثة، مضمّخة بعطور زائفة لم تفلح في الارتفاع بهذه الصور فوق مستوى الوصف والتقرير. ويذكر بالمقابل قصيدة صلاح عبد الصبور في (شنق زهران أحد أبناء دنشواي، نسوق هنا بعضاً منها:

كان زهران غلاماً

أمُّهُ سمراء، والأبُّ مُوَلَّدْ

وبعينيه وَسامهْ

وعلى الصدغ حمامة

وعلى الزند أبو زيد سلامة

ممسكاً سيفاً، وتحت الوشمِ نَبْشٌ كالكتابة

اسم قرْيَهْ

دُنْشُوايْ

إلى أن يقول:

وُضِعَ النطْعُ على السكة والغِيلانُ جاؤوا

وأتَى السيّافُ (مسرورٌ) وأعداءُ الحياة

صنعوا الموت لأحباب الحياةْ

وتدلَّى رأسُ زهرانَ الوديع.

والخصيصة الثالثة للشعر الجديد: زوال الازدواج بين الحسّ والفكر، بين التعقل والشعور، وقيام تفاعل في خصب بينهما. أما الرابعة فهي استخدام الشاعر لكثير من الأجواء والتعبيرات والمصطلحات الشعبية، والتبسيط في استخدام الأساليب اللغوية إلى حد النسيج العادي البسيط ـ وسنكفُّ عن إيراد الأمثلة لضيق المجال. أما الخامسة فيسميها (قابلية هذا الشعر للانتشار على شكل جماهيري واسع)، وهو ما يسميه النقد اللساني اليوم تدوليّة (وهو اصطلاح يخلط بعضهم بينه وبين الذرائعية، فالأول اصطلاح فلسفي والثاني لساني).

أما الخصيصة السادسة فترتبط بوظيفة هذا الشعر في حركة الحياة واشتراكه فيها، وهو ما يمكن أن نصوغه اليوم وفق اصطلاحات النقد اللساني بأنه فاعلية تواصلية لها وظائفها.

ويشير العالم إلى تجربتين في الشعر الجديد تخرجان عن هذه الخصائص بانفصالها عن الواقع وعن الحياة، أولاهما تجربة (لويس عوض) في ديوانه (بلوتو لاند)، فيقول: (ليس بين قصائد هذا الديوان ما يعدّ تجربة جديدة بحق في الشعر العربي. أما التجربة الثانية، فهي تجربة عابرة قام بها الدكتور عبد الرحمن بدوي وسماها (الشعر الوجودي)، جمع قصائده في ديوان (مرآة نفسي)، ويعلق العالم عليها فيقول: هذه التجربة ليست أصيلة، بل هي مثقلة بالافتعال والتجريد. ويختم العالم ما ذكره من خصائص بتعليق يراد منه فتح حوار، فقال: ليكن تناولي السابق إذن مجرد فروض تمهيدية نجس بها واقعنا الشعري الجديد). كان هذا عام 1954 (11).

لم يكن محمود أمين العالم ليدخل في نظرية النقد أو نقد النقد إلا بعد نقد تطبيقي، وهو ما يظهر جلياً في تناوله الأجناس الأدبية وخصوصاً الشعر ـ الذي توقفنا عنده ـ وكذلك القصة التي خصص لها كتاباً عنوانه (ألوان من القصة القصيرة) (12)، أنهاه بدراسة تطبيقية لنماذج من القصة المصرية ذكر في مطلعها أنها نماذج ناقصة لم تحوِ أسماء لامعة من مثل توفيق الحكيم وطه حسين وفريد أبو حديد والمازني وطاهر لاشين. ومن الطريف ذكره ضمن من غاب من المصريين اسمين أحدهما سوري: صلاح دهني، والثاني بشر فارس. وقد بدأ دراسته في الحديث عن نشأة القصة القصيرة العربية وتطورها حتى صارت جنساً أدبياً مستقلاً، نعني به (شكلاً معيناً من التعبير له قيم فنية غير قيم الحكاية بمعناها العام) (13)، ثم انتقل إلى تحديد القيم الفنية في هذا الجنس النثري في خمس قيم، يمكن أن تشكل مقومات هذا الجنس هي: الوحدة الفنية، وبناء الشخصية، ولغة القص، والحدث، والدلالة الاجتماعية. ولعل هذه المقومات التي ذكرها العالم تتلاقى مع كثير مما ذكره روّاد نظرية السرد في النصف الأول من القرن العشرين مثل توماشفسكي وشكلوفسكي، وسموها حوافز (motive)  السرد وأهمها: الكُلِّية (مقابل الوحدة الفنية عند العالم)، والشخصية، والحدث، والزمان والمكان، واللغة والدلالة. وهو ما راج في نقدنا في العقدين الأخيرين من القرن الماضي، بينما تكلم عليها العالم في خمسينياته. الوحدة الفنية عنده يخلقها الهيكل (يقصد البنية، وهي متباينة الشكل)، لكن البنية لا تكفي لتشكيل الوحدة الفنية، إذ لا بد لها من أن تتواءم مع بناء الشخصية، وبنية الحدث، ولغة القص، ودلالة النص.

أما بناء الشخصية فيعدّه العالم أخطر عملية في بناء القصة لأن تحديد ملامح الشخصيات الإنسانية هو جوهر عملية بناء القصة، ويرى أن القصة تضعف وتتخلخل إذا اكتفت بتحديد الملامح الخارجية لشخصياتها، فالشخصية في القصة تبنى من داخلها. أما لغة القصة فيجب أن توظف لبناء السرد لا أن تكون عبئاً عليه. وحين يحلل قصة لمحمود تيمور يقول إنها تواجهنا بتجانف صارخ بين القصة ولغتها، لأن اللغة تجثم على صدر الحدث حتى تكاد تخنق أنفاسه، وتُثقل عليه ببلاغة تبعد بنا عن تجارب ساذجة وتقدم عناصر القصة تقديماً أقرب إلى الافتعال، (والمستوى العام للغة القصة لا يقيم بيننا وبينه الألفة والبساطة المطلوبتين). ثم يعلق قائلاً: (إن اللغة ينبغي أن تلتزم الحدث الذي تعمل على تصويره، فلا تعلو عليه، ولا تسف دونه، وإنما تكون أداة طيعة وعاملاً مساعداً على إبرازه، وعندما يتكلم على الحدث ويأخذ على قصتين، إحداهما ليوسف السباعي والأخرى لإحسان عبد القدوس، إقحامهما عناصر في الحدث لا ضرورة لها في القصة، مثل إقحام الكاتب لنفسه إقحاماً لا تتطلبه القصة، وفرض أحكام خطابية على الحدث، وبناء صور جانبية لا تمت بصلة إليه.

ويعقّب على دلالة القصة قائلاً: (ثمة علاقة وثيقة بين الدقة في الصياغة الفنية والدلالة الاجتماعية للقصة، وكلما انكمشت شخصيات القصة وجفت أجواؤها الحية وتجردت كانت صياغتها أقرب إلى الزخرف والخطابة الجوفاء وازدحمت بالعناصر الدخيلة عليها. وكلما ازدادت معرفة الكاتب بالواقع وتعمقت خبرته به ومشاركته الفعالة فيه واتسع إدراكه لما يتضمنه من عوامل اجتماعية متصارعة متشابكة، تضاعفت مقدرته الفنية أصالة وإحكاماً) (14).

لا بد لنا من أن نعترف أخيراً بأن محمود أمين العالم ـ رحمه الله ـ كان رائداً في التأسيس لمنهج دراسة الرواية العربية، إلى جانب مساهمته الكبيرة والهامة في دراسة الرواية في مرحلة سابقة على ذلك اصطلح على تسميتها بمرحلة الخمسينيات، درس فيها الحكيم والشرقاوي ونجيب محفوظ وغيرهم. وتبرز ريادته في الخروج على التركيز المضموني على حساب الجانب الفني وإبراز العلاقة الجدلية بين الواقع والمتخيل، وبين الخطاب والأيديولوجية، وإلى استفادته الواسعة من الشكلانية والبنيوية ونظرية السرد منطلقاً من منهج إجرائي تطبيقي في معالجاته النقدية للرواية كاد أن يكون (ثورة على التفسيرات والتحليلات الأكاديمية والوصفية والانطباعية والتذوقية ـ والنفسية إلى حد ما ـ التي كانت تسيطر بمستوى أو بآخر على النقد الأدبي آنذاك). (15).

نشر العالم عام 1966 ثلاث مقالات في مجلة (المصور) المصرية تحدث فيها عن تيارات ثلاثة في البنيوية سماها العالم: (المنهج الهيكلي) (16) الأولى عن التيار الشكلي عند شتراوس وبارت، والثانية عن التيار الاجتماعي لدى غولدمان، والثالثة عن التيار النفسي عند شارل مورون خرج منها بتأكيد (الحاجة إلى البحث عن منهج جديد للنقد الأدبي، لا يجمع بين هذه المدارس جميعاً سطحياً توفيقياً، بل يوحد بين الدلالة والقيمة، وبين الحقيقة والجمال (17). ونلمس في هذه الدراسات معرفة دقيقة بدراسة ياكبسون للشعرية، ودراسة بروب للحكاية الشعبية، ودراسات غريماس وتودوروف وبرومون ثم دراسات، دريدا وبارت. وكانت دراسته لهم دراسة نقدية بينت الاختلاف بينهم في المواقف من العمل الأدبي. وخلص إلى نتيجة أن محاولات الدراسات العلمية للأدب باسم الهيكلية (البنيوية) هي محاولات واجتهادات مشروعة ومشروطة وضرورية، لكنها ليست هي النقد الأدبي (18)، ثم يتوقف عند دراسات باختين ولوتمان اللذين اهتما بالإبداع الأدبي عامة، ليصل إلى مفهوم الخطاب الذي سنتوقف عنده لاحقاً.

سنسعى إلى تحديد أبرز معالم نقد الرواية الجديدة عند العالم من خلال تحليله لرواية واحدة من روايات ثلاث لصنع الله إبراهيم، جمعت دراساته عنها في كتاب واحد عنوانه (ثلاثية الرفض والهزيمة) وهي الروايات الأولى لصنع الله: تلك الرائحة (1966)، ونجمة أغسطس (1974)، واللجنة (1982). وقد اخترنا (تلك الرائحة) لأنها تحقق الغرض المطلوب أولاً، ولقصرها ثانياً (118 صفحة)، ولأنها من أوائل ما أطلق عليه: الرواية الجديدة، ثالثاً.

يبدأ تحليله النقدي من السيميائية متناولاً العنوان (تلك الرائحة) على أنه العلامة الرئيسة الأولى لأنها بدالِّها ومدلولها تشكل مفتاحاً للبنية الدلالية العامة الأولى في الرواية. (وهو يفعل ذلك في الروايتين الأخريين فيحلل سيميائيا: اللجنة، وفي الثالثة: حقيبة السامسونايت)، ونتذكر هنا أن الملامح الأولى للسيميائية في النقد العربي لم تظهر إلا بعد صدور (تلك الرائحة) بعقدين من الزمن، وإلى جانب السيميائية تلك استخدم العالم اصطلاحات نظرية السرد، وأهمها بنية السرد، والسارد، وتداخله مع الشخصية، ويلجأ إلى الإحصاء في رصده للفظ (الرائحة) ولكلمات مفاتيح أخرى: (إن كلمات المياه، والصابون، والحمام، والاستحمام من أكثر كلمات الرواية وعملياتها وأحداثها تردداً وتكراراً (نحو 52 مرة) (19)، (إن كلمة مثل (الباب) وما يرتبط بها من أفعال وأحداث مثل فتح، أغلق، دق الجرس. . كثيرة التردد في الرواية. كما نجد كلمات كثيرة الترداد مثل: غرفة، حجرة، شقة، منزل، مدخل البيت، النافذة، الشباك (20)، ويستخلص طبيعة العلاقات بين الأنا السارد والآخرين، وبين الأنا وعناصر واقع الرواية كلها عبر ترداد (عبارات/ تراكيب) من مثل: (قلت لنفسي، بل يشير إلى أن الروائي ميز ما ينضوي من السرد تحت (قلت لنفسي) سيميائياً بأن جعل كتابته طباعياً تأخذ شكلاً آخر غير الشكل الكتابي للغة السردية التقريرية.

يحدد العالم أربعة أبعادٍ لبنية السرد في الرواية (المكان، الزمان، السارد، اللغة. وعندما يتناول حافزين سرديين رئيسين،: المكان والزمان، يجعل كلاً منهما مشروطاً بالآخر لا ينفك عنه، من دون أن ينحت من الاصطلاحين لفظاً واحداً: (زمكان) أو (الفضاء) كما يفعل أهل نظرية السرد اليوم. ويؤكد أن الزمان هو مقياس الحركة في المكان. ويفرق بين المكان الإطار والمكان المرجع، كما يفرق أيضاً بين المكان ـ القيد، والمكان الحرية. ولا يتورع عن ربطهما باللغة، إذ يتكلم على (اللغة المكانية التقريرية)، وعلى (اللغة الحلمية الغنائية) من خلال حديثه عن ازدواجية المكان، مشيراً إلى أنه ازدواج لغوي أيضاً. ويتكلم أيضاً عن تقابلات زمكانية مرتبطة باللون حين يشير إلى حديث الروائي، عن عالم البياض وعالم السواد، فالمكان عنده بلا ألوان غير هذين اللونين المسيطرين.

ويترافق هذا مع تمييز مستويات للزمان، إلا أنه قبل ذلك يستدل على الزمان وتتابعه من خلال المتن اللغوي، وما ينشأ عنه من تراكيب من مثل: (جاء الصباح، وفي الصباح، عندما فتحت عيني في الصباح) تقابل (ونمت، رحت في النوم)، ويذكر أن السرد في الرواية كان حريصاً ودقيقاً في ذكر الاستيقاظ صباحاً والنوم ليلاً، وعندما يفرق بين مستويات الزمان يقابل بين مستويين منه، الزمان الخطي الأفقي/ الزمان العمودي، وهو زمان الذكريات والرؤى والأحلام. ويشير إلى أن الأفقي دائري في تكراريته الرتيبة، أما العمودي فتسبغ عليه لغة التعبير رفيفاً غنائياً. ثم يقابل بين مستويين آخرين من الزمان: الزمان الخارجي: المرجع/ الزمان الداخلي: المعيش. ثم يتوقف عند نوع آخر يفرده ويسوق أمثلة عدة عنه، يسميه زماناً اجتماعياً يميز داخله مستويين يتناقضان دلالياً هما: الزمان الإطار، زمان الشعارات الاشتراكية والإجراءات التقدمية، الذي يقابله مستوى آخر يتناقض معه دلالياً هو الزمان المحاصر الذي يعيشه السارد/ الشخصية. ومن خلال هذه التقابلات يظهر في الرواية تقابل رئيس آخر: الأنا/ الآخرون. الأنا هو السارد، لا اسم له في الرواية ولا ملامح، وكذلك أهله: أخته التي لا نعرف لها اسماً، أخوه وأبوه وأمه. لكننا نتعرف على أسماء أخرى: حسنية صديقة أخته ومجدي، وسامي ونهاد، وشخصيات أخرى كثيرة تبقى بلا أسماء.

اللغة أداة السرد تتمايز فيها لغة السرد التقريري في شكل جمل فعلية قصيرة جداً، وكأنها مادة لمنمنمات من مثل (وأخذت ملابس نظيفة ودخلت الحمام، وأغلقت الباب خلفي، وخلعت ملابسي، ووقفت عارياً تحت الدش، ثم. . ) (21). وهذا المستوى التقريري في لغة الرواية هو محاولة للتعبير عن الواقع من دون تزويق تختفي فيه التشابيه والاستعارات وكل أشكال الزخرف والترميز، وتكثر فيه أفعال الحركة كثرة بالغة. إنها لغة تلامس الواقع في تفاصيله، لكنها تخلق مسافة بين السارد والعالَم بما فيه من أشياء، ولذا يسميها العالِم: اللغة، المسافة، وهي لغة نقابل (لغة التفاعل والانفعال) التي تنبثق دائماً بالتداعيات والذكريات. وتسود في كلا المستويين نقاط الوقف بين الجمل سيادة كاملة، وتكاد الفاصلة تختفي.

على أن الوعي النقدي الريادي الذي يسم محمود أمين العالم يظهر جلياً في فهمه الخطاب الروائي وتحديده تحديداً لم يسبقه إليه اللسانيون، بل ربما استفادوا منه. يعرّف الخطاب الروائي بأنه (بنية لغوية دالة، أو تشكيل لغوي سردي دال، يصوغ عالماً موحداً خاصاً، تتنوع وتتعدد وتختلف في داخله اللغات (لعله أراد مستويات الكلام) والأساليب والأحداث والأشخاص والعلاقات والأمكنة والأزمنة، من دون أن يقضي هذا التنوع والتعدد والاختلاف على خصوصية العالَم الروائي ووحدته الدالة، بل هو يؤسسها (22) ثم يغادر اللغة إلى نظرية السرد ليعرِّف الخطاب وفقاً لها: (الخطاب الروائي آخر تجليات الخطاب الحكائي في مختلف مظاهره التعبيرية طوال التاريخ الإنساني كله، من ملاحم وأساطير وحكايات شعبية ومقامات إلى غير ذلك. إنه وريث كل هذه الظواهر الحكائية السابقة، بل هو استمرار خلاق لكثير من سماتها وقيمها التعبيرية، ولكنه ـ مع هذا ـ بداية إبداعية نوعية جديدة، تختلف عن كل ماسبقها من ظواهر حكائية، وتشكل جنساً أدبياً خالصاً يجعلها تختلف عن كل ماسبقها من ظواهر حكاية) ().

يرى العالِم أن الخطاب الروائي إنتاج إنساني، لا مصدر له غير الواقع الذاتي ـ الاجتماعي ـ الموضوعي، أي إنه خطاب واقعي المصدر والدلالة. إنه معلول (أي مشروط بعلة) إبداعياً لهذا الواقع. لكن الواقع في الخطاب الروائي واقع متخيل لا يجوز أن ينظر إليه وفقاً لمدى مشابهة الواقع الخارجي في أحداثه وشخصياته وعلاقاته وبنية عالمه. إنه رفض لواقع سائد، أي رفض يتبدى بأنواع عوالم متخيلة، أي بإعادة تشكيل معطيات العالم الخارجي تشكيلاً قد يكشف جوهر نواقصه أو جوهر صراعاته.

كان آخر ما كتبه محمود أمين العالم قبيل وفاته مقالة أرسلها إلى جريدة (الأهرام)، يرد فيها على كتاب الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي: (قصيدة النثر، أو القصيدة الخرساء) (24) علّق فيها العالم على قول الحجازي، إن قصيدة النثر قصيدة خرساء بقوله: (يعتقد ذلك لأنها خالية من وزن أو قافية، وأعتقد أن أشعاراً كثيرة موزونة ومقفاة لكنها ليست بشعر). (25).

قال في مقابلة تلفزيونية (أنا في ذهني رؤية معينة للشعر، أريد أن أكتبها ولم أكتبها حتى الآن). كان ذلك قبيل وفاته بسنة ونصف.

وقال في المقابلة ذاتها: (أنا مجنون بالأمة العربية، أنا عربي جداً، أنا عربي صعيدي مصري) (26).

الهوامش:

1.                حصل على الماجستير برسالة عنوانها: (فلسفة المصارفة الموضوعية في الفيزياء الحديثة ودلالتها الفلسفية). وسجل بحثه لرسالة الدكتوراه بعنوان (فلسفة الضرورة في العلوم الإنسانية).

2.                الإبداع والدلالة: مقاربات نظرية وتطبيقية. دار المستقبل العربي. 1997.

3.                صدر عن دار المستقبل عام 2001.

4.                من مقابلة له أجرتها جريدة (الجريدة) مع العالم قبل وفاته، نشرت في العدد 514، بتاريخ 19/1/2009.

5.                ظلا متلازمين طوال حياتهما حتى في وفاتهما، إذ لم يكن من فارق زمني بين وفاتهما سوى بضعة أيام.

6.                انظر في الثقافة المصرية. الطبعة الثالثة. دار الثقافة الجديدة: 1989، ص 39 ـ 45.

7.                في الثقافة المصرية. ص 41.

8.                نفسه ص 41.

9.                نفسه ص 45.

10.           نفس ص

11.           انظر: الشعر المصري الحديث. خصائصه واتجاهاته العامة. (في الثقافة المصرية. ص 76 ـ 103.

12.           ألوان من القصة المصرية. مقدمة طه حسين. دراسة محمود أمين العالم. دار النديم. القاهرة 1956.

13.           ألوان من القصة. . . ص 66.

14.           نفسه ص 187.

15.           ثلاثية الرفض والهزيمة. دار المستقبل العربي. القاهرة 1985. ص 9.

16.           نشرت فيما بعد، عام1957، في كتابه: البحث عن أوربا، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات العربية للدراسات والنشر.

17.           البحث عن أوربا ص 107 ـ 108.

18.           ثلاثية الرفض والهزيمة. ص 19.

19.           نفسه ص34.

20.           نفسه ص 38.

21.           صنع الله إبراهيم. تلك الرائحة. ط/1، 1966. صُودرت وسحبت من الأسواق.

22.           محمود أمين العالم وآخرون. الرواية العربية بين الواقع والأيديولوجيا. دار الحوار. اللاذقية 1986 . ص11.

23.           الرواية العربية. . ص 11.

24.           أحمد عبد المعطي حجازي: قصيدة النثر أو القصيدة الخرساء. كتاب: دبي الثقافية. تشرين الثاني/ نوفمبر 2008.

25.           انظر: جريدة (الجريدة) العدد 514، 19/1/2009.

26.           قناة العربية برنامج (روافد) يعده: أحمد الزين. تاريخ البث: 20/7/2007.