سألتُ الأستاذ: لمن نكتب؟

فاطمة ناعوت قرأها 1,450
 

سألتُ الأستاذَ: لمن نكتب؟

فاطمة ناعوت

Fatima%20Naout.JPG

كان، رحمَه الله، كلما رآني وقد أخذني القنوطُ، مما وصلت إليه مصرُ ونزل إليه المصريون، يبتسمُ ابتسامته المشرقةَ الشهيرة، تلك التى خلّدتها الصحفُ والتصاوير.

تفاؤله بغَدٍ أفضلَ لمصرَ وحالٍ أفضل للمصريين، هو سرُّه الميتافيزيقي الخاص، الذى ذهب معه إلى الأبد. ذلك التفاؤلُ كان طوقَ النجاة أمام تشاؤمي المستطيل.

«لمَن نكتبُ يا أستاذ؟» أسأله. فيجيبُ: «لكلِّ المصريين، المصريون من أجمل شعوب الأرض». أعاودُ: «نعم، لكن لأية شريحةٍ منهم؟ المثقفون المستنيرون لا يحتاجون كتاباتنا، والظلاميون الجهلاء يرفضونها، والبسطاءُ ينجرفون وراء الصوت الأعلى، وليس أعلى صوتًا ممن خَوَت عقولهم من الظلاميين الغيبيين. يتوعّدون الناس بالويل والثبور إن لم يستعيروا عقولهم، ويقصفون أقلامنا ويهددون حياتنا، فيخافنا الناسُ وينفضّون من حولنا، ومن حول كلِّ نور يلمع فى الأفق! فلمَن نكتب إذًا؟ لابد أن نتوقّف عن الكتابة، ونكتفي بالفُرْجَة والحسرة على مصرَ، وهى تتحلّل بين ناظرينا، مثلما يكتفي الجميع بالفرجة، بل وبالمشاركة فى هدمها أيضا من قِبل البعض». يربتُ على كتفي ويشرقُ وجهه بابتسامةِ محبةٍ وإشفاق: القنوطُ رفاهٌ وترفٌ لا يليقُ بكلِّ صاحب قلم يا ابنتي!، أنتِ وأنا وسوانا ممن لديه رسالةُ تنويرٍ ليس من حقّه أن يترك قلمَه ليتفرج، اليأسُ، رفاهيةٌ لا يمتلكها المثقفُ العضويّ!» إنه المفكر المصريّ الجميل، الذى طار قبل شهور وتركنا لمصيرنا، محمود أمين العالم.

«لكنهم يا أستاذنا، الظلاميين أولئك، يظنون أن الشيوعيةَ سُبّةٌ، وحتى الليبرالية سُبّةٌ، والتطور والتحضر والمعاصرة والاستنارة والخروج من نفق الماضي كلها مَسبّاتٌ ومثالبُ. بل والعلمانية يظنونها تعني الانحلال وانعدام الخُلُق وعدم احترام الدين، تصور! بل إن أحدهم، والله العظيم يا أستاذ، يظن أن ثمة شخصًا اسمه «علمان»، ومؤيديه، من ثَم، اسمهم «بنو علمان»، تصور! تصور! ». فيبتسم العالم الجليل لغضبتى ويقول: «وإذًا ماذا تنتظرين من هؤلاء؟ إن كانوا متعثرين عند فهم المصطلح، مجرد المصطلح، أيغضبكِ هؤلاء؟» فأقول بحماسة من ظفر بمغنم: «أرأيت؟ فلمن نكتب إذًا؟» لكنه يردف بهدوء: «وهل تظنين أن أولئك هم متنُ المصريين النبلاء؟ هؤلاء يا ابنتي لهم الله، هم على عيونهم عِصاباتٌ فلا يرون، وفي أفواههم أبواقٌ تردِّدُ أقوال سواهم، وداخل عقولهم قِطَعُ أسفنج تمتصُّ الغَثَّ وتفرز الغَثَّ. ووظيفتنا نحن أن نحمي الآخرين من تضليلهم، قبل أن يغتصبوا عقولهم ويدخلوا بهم إلى نفقهم المُظلم، حيث لا عودة».

«لكن فى يدهم يا أستاذ محمود سيفًا مُشْهرًا دائما مُصوَّبًا نحو نحورنا، وكارتًا باليًا لا يسأمون من استخدامه ضدَّ كلِّ قلم يروم الاستنارة». فيسألني ولم تبرح الابتسامةُ وجهَه: «ما هو؟» وأجيب: «إطلاق الكلام على عواهنه من قبيل: هذا الكاتبُ له أجنده أمريكية، هذا الكاتب عميلٌ صهيونيّ، هذا الكاتبُ يقبض من الغرب!» فيضحك الأستاذ بمرارة: «كأن الغربَ راكدٌ خاملٌ لا يعمل، وخائفٌ من تطورنا وسيادتنا العالمَ فيدسَّ بيننا العملاءَ لكى يعرفوا منّا سرَّ حجر الفلاسفة! الغربُ ياابنتي يعملُ في صمت، ونحن نتكلم.

هم يخترعون ويبدعون، ونحن نستهلك ونسيء استخدام ما صنعوا للبشرية. اخترعوا الحاسب الآليّ لكي يتحكمَ الإنسانُ فى المعلومة وينتجَها ويصدّرَها ويتوسلَّها، ونستخدمه نحن للتبذّل والدردشة والمزيد من تفريغ العقل. صنعوا الهواتف ذات الخلايا لحل الأزمات العاجلة، فاستخدمناها نحن فى إرسال رسائل مغازلة فى شريط متحرك فى قنوات التليفزيون! وآلاف الأمثلة الشبيهة».

وشعرتُ أنني نجحتُ فى أن أجذبَ الأستاذَ إلى منطقة قنوطي، وابتهجتُ قليلا لأنني سأتقوى بيأسه على يأسي. لكنه يفاجئني بطاقة التفاؤل التى لا تنضب منه أبدًا، لأنه جميل ويأبى إلا أن يرى العالمَ جميلاً ومحبوبته مصرَ فاتنةً تحت أيّ شرط وأيّ ظرف. قال: «المصريون جُماع أعراقٍ وحضاراتٍ مستحيلة. لا مواطنَ فى كلِّ العالم يشبه المواطنَ المصريّ. المصريُّ تعاقبت عليه ثقافات ودياناتٌ ومواريثُ تاريخيةٌ معقدة شديدة التركيب. لذلك اكتسب قوةً وصلادة، عزّ أن تجدي مثيلاً لها فى كافة أرجاء الكون. ما ترينه الآن هو العابرُ المتغيّرُ، لكن ثمة خيطًا من الأصالة يسبح تحت العمق فى شريان كل مصريّ. هذه الأصالة سوف تنجّيه كما نجّته دومًا. وهي رهانُ المثقفين على بقاء مصر، رغم ميراثها الثقيل من حكوماتٍ ظالمة تعاقبتْ وتتعاقبُ عليها. سوف تشهدين أنتِ وجيلُك، أو على الأكثر الجيلُ اللاحق مصرَ وقد عادتْ كما كانت. هكذا يقول التاريخ. ثمة لحظاتُ انحطاط تمرُّ بها الشعوب، تشبه لحظتنا الراهنة، لكنها تتحول وتتبدل، ثم ينجلي الجوهرُ الناصع للطينة المصرية الأصيلة».

هذا حوارٌ تخيليٌّ، إلا قليلاً. هو زادي وزوّادي كلما ألمَّ بي الحَزنُ والقنوط. لم يتم هذا الحوار بيني وبين الأستاذ فى جلسة أو فى جلستين. بل هو جُماع أحاديثَ طويلةٍ تمّّت بيننا. أكتبُه الآن، لي، أولاً، لكي أُخرجه من حيّز الذاكرة المراوغة، إلى حيّز الورق الموثّق. من أجل أن أعود إليه كلما انكسرتُ.

أستاذي الجميل، نَمْ مستريحًا باشًّا مبتسمًا مثلما كنتَ دائمًا. فمصرُ باقيةٌ بإذن الله.

FNaout.JPG

www.geocities.com/fatima_naoot/

The%207thday.JPG

www.youm7.com