فلسفة المصادفة في فكر محمود أمين العالم
فلسفة المصادفة في فكر محمود أمين العالِم
بقلم: د. عبد الإله نبهان
نال محمود أمين العالِم درجة الماجستير في الفلسفة عام 1953 ببحث عنوانه (فلسفة المصادفة)، ثم نشره عام 1970 بالعنوان نفسه. وقد اعترف في مقدمته أنه بدأ بحثه غارقاً حتى أذنيه في الفكر المثالي، هادفاً إلى اتخاذ المصادفة معولاً لتقويض الموضوعية العلمية.
ولكن حدث أنه في أثناء إعداد مواد البحث التقى كتاب لينين الموسوم بـ (المادية والنقد التجريبي) الذي قاده أيضاً إلى كتاب (جدل الطبيعة) لفريدريك إنجلز. قال: (وكان هذا حدثاً فكرياً في حياتي، قلب تصوراتي الفلسفية رأساً على عقب، فأمسكتُ المعول نفسه ورحت أقوّض به الفكر المثالي الذي كان يستغرقني تماماً). وبهذا التوجّه المادي الجدلي خاض العالِم مجال بحثه ضمن رحلة شاقة بدءاً من المفهوم العام الشائع للمصادفة إلى تجلياتها في الفلسفات القديمة وصولاً إلى المصادفة في الفكر الحديث. وهذا الأمر الأخير اقتضى منه اطلاعاً واسعاً على حساب الاحتمالات وعلى الفيزياء الحديثة، وما فيها من تعقيدات حتى توصل إلى ما يعدّه المفهوم العلمي للمصادفة.
المعنى الشائع للمصادفة أنها تقع مقابل الضرورة، فحصول أمرٍ ما هو إما بالضرورة وإما بالمصادفة، ولا يكون الشيء ضرورياً ومصادفاً في آنٍ واحد. ولما كان الضروري هو موضوع العلم كانت المصادفة هي الموضوع الذي يتجنبه العلم. وذلك لأن الضروري يمكن أن يصاغ في قانون، أما المصادفة فإنها لا تخضع لتحديد القانون، وهكذا يكون كل ما لا يخضع للقوانين العامة يعد مصادفة، ونحن نعزو إلى المصادفة ما خفيت ضرورته عنها.
فالمصادفة ليست إلا علة وهمية ابتدعها جهلنا، لذلك فإن المصادفة تختفي وتتراجع كلما ازدادت واتسعت معرفتنا. فالمصادفة كلمة لا توجد إلا فينا، وهي لا تعدو أن تكون أثراً نفسياً ناتجاً عن جهلنا بالعلل الحقيقية.
ونحن نستهدف من بحثنا هذا مناقضة المعنى الذاتي القاصر للمصادفة وتحديد دلالتها الموضوعية الخالصة، لا من حيث إنها كلمة معجمية أو خبرة نفسية، ولكن من حيث إنها تعبير عن الموقف الراهن في العلم الحديث اعتماداً على الفيزياء.
وبيَّنَ العالم أن المصادفة تكاد تكون مجهولة تماماً لدى البدائيين الذين أقاموا نوعاً من الترابط والتماسك بين الوجودين الطبيعي والإنساني، أي نوعاً من المنطقية تحركها القوى الخفية والشخوص السحرية. كذلك لا نجد مفهوماً للمصادفة في الديانة الأولى للإغريق، ولا نعثر على هذه الكلمة عند هومير. وعند (يوربيدس) نجد لها دلالة واضحة محددة بعض الشيء كقوة منافسة لقوة الآلهة. إن مفهوم المصادفة يأخذ في البروز كلما زادت موضوعيتنا في مواجهة الواقع الخارجي.. ففكرة المصادفة مرّت بأطوار ثلاثة : طور ذاتي غائي، وطور ذاتي عرفاني، وطور موضوعي.
وعقد العالم فصلاً لنظرية المصادفة في العهد القديم، يستعرض فيه ما جاء في فلسفة ديمقريطس وأنبادوقليس، ثم يقف عند أرسطو الذي جعل من المصادفة علة عارضة، وأشار إلى أن من الضروري أن تكون علل الأشياء التي تحدث بالمصادفة عللاً غير محدودة، وهذا ما يدعو إلى اعتبار المصادفة تنتسب إلى صنف اللامحدود، وأنها بعيدة المنال على الإنسان.
على أن العارض لا يخرج عند أرسطو عن حالات ثلاث:
التقاء عشوائي بين حادثين.
حضور متواقت لصفتين مستقلّتين في موضوع واحد.
انتساب ممكن لصفة إلى موضوع دون أن نتبين منها أي دلالة للقصد والتدبير، بعكس المصادفة التي تشترك في صفات العارض إلا أنها فوق ذلك يتمّ بتحققها غير المقصود شيء يدخل في مجال القصد والتدبير.
وانتقل العالم إلى البحث في نظرية المصادفة في الفكر الحديث. ولن نعرض هنا للتفصيل في ذلك لأن المقام لا يتسع، ونقفز إلى أن أوجستان كورنو (ولد1801 ) صاغ أول نظرية موضوعية خالصة للمصادفة في الفكر الحديث. لقد كان كورنو يؤمن إيماناً مطلقاً بالحتمية التي تعني الارتباط العلّي، فالعلّية هي المظهر الذي يمكن دراسته وتحليله من الحتمية. فليس ثمة ظاهرة أو حادثة تتحقق بدون علة، فالمصادفة ليست شبحاً خلقناه نحن لنخفي به جهلنا، ولسنا مع المصادفة بإزاء فكرة نسبية إلى حالة معرفتنا. هذه الحالة المتنوعة وغير الكاملة أبداً وإنما على العكس من ذلك نحن بإزاء فكرة واقعية حقيقية في ذاتها يمكن أن تقام بالبرهنة أو بشهادة الملاحظة.. فالمصادفة هي فكرة الترابط بين طائفة من أنظمة العلل والمعلولات التي يتحقق كل منها في سلسلتها الخاصة مستقلة عن الأخرى.. فكلمة المصادفة ليست بدون علاقة مع الحقيقة الخارجية، إنما هي تعبر عن فكرة لها مظهرها في الظواهر الملاحظة، ولها تأثيرها وفاعليتها التي تتضح في ملكوت الطبيعة.
فالمصادفة لا تفسّر بالندرة كما كانت عند أرسطو وإنما الندرة هي التي تفسّر بالمصادفة، فالنادر نادر لأن المصادفة تحققه بين عدد آخر من الحوادث تبين عن ارتباطات مختلفة ممكنة بين عددٍ معيّن من الممكنات المتساوية. فعند كورنو لا تعارض بين المصادفة والقابلية للتنبؤ، ولو امتلك الإنسان معرفة كاملة لكافة السلاسل لكان ذلك وسيلة لتأكيد المصادفة والتنبؤ بها. فالمصادفة عنده هي ثمرة لالتقاء ومقارنة أو موازنة أو مقاربة ممكنة بين سلاسل مستقلة استقلالاً عقلياً يتميز بأنه قابلية ضخمة للتغيّر وإمكان مفتوح للتحديد اللانهائي، على أن يكون ذلك الالتقاء بين تلك السلاسل التقاءً عرضياً. وتابع العالم عرضه لفلسفة المصادفة استناداً إلى تحليلٍ رياضي، ثم عرض نظرية الفيلسوف الأمريكي بيرس وجون ستيوارت مل، وقد بيّن أن المصادفة عند بيرس ليست إلا ما تتصف به الوقائع من تنوّع وتغيّر وتعقد وإمكانية، ليست إلا هذا التداخل والتفاعل بين جميع الكيفيات تداخلاً وتفاعلاً يتمّ في حدودٍ قانونية ولكن لا يحدّه قانون ميكانيكي موحّد.
وتابع العالم عرضه لآراء الفلاسفة المحدثين في المصادفة، فعرض آراء كينز، وآراء بونكارييه عرضاً ناقداً مدعماً بالأمثلة.
ثم عقد العالم بحثه عن المصادفة بين الرياضيات والفيزياء اعتماداً على حساب الاحتمالات والاحتمال هو التعبير العلمي عن المصادفة في المجال الرياضي. وحاول العالم تحديد مفهوم حساب الاحتمالات من خلال متابعته لمنحاه التاريخي منذ البدايات في منتصف القرن السابع عشر عندما بدأت تظهر رسائل تتعلق بالمقامرة وتوزيع الرهان على يد باسكال وهيجنز وجيمس برنوي، ثم على يد دافيد هيوم ولابلاس وغيرهم من الفلاسفة، ليصل إلى عقد مبحث هام عنوانه (المصادفة في الفيزياء). وفيه استعرض العالم نظريات العلماء الفيزيائيين من التقليديين أولاً، ومن المحدّثين ثانياً، بضرب من البسط لا مجال لتلخيصه ههنا، لذلك سنكتفي بعرض النتائج المتمثلة بقوله : إن الخبرة الضخمة التي تمدّنا بها الاستعانة بالاحتمال في الفيزياء الحديثة تكشف عن أن الاحتمال ليس وصفاً غير كامل للظواهر، وإنما صورة ملائمة وانعكاس دقيق للوقائع الموضوعية، فالاحتمال صفة واقعية موضوعية وليست جهلنا نسقطه على الواقع. فالظواهر الفيزيائية بما تتميز به من تشابك وتداخل وصيرورة وقابلية للتدخل واللاارتدادية تجد في حساب الاحتمال التعبير الدقيق عن حقيقتها. وإذا كنا عددنا المصادفة هي نفسها هذه القابلية الكونية للتشابك والتغاير واللاارتدادية فإن المصادفة تكون موجودة بالفعل وجوداً موضوعياً في الطبيعة، إلى حد أن كل قانون ينبغي أن يحسب لها حساباً.
ثم يقوم العالم بربط ما انتهى إليه بالإنسان وحريته، فرأى أن العلماء الذين اتخذوا من الفهم الزائف للاحتمية في الفيزياء الحديثة وسيلة لتحرير الإنسان بعد أن حرروا الطبيعة من طاغوت الحتمية وطغيان القوانين الدقيقة كانوا شديدي التعسف في مثل هذا التطبيق الميكانيكي، لأن تفسيرنا للحرية الإنسانية في ضوء الظواهر الفيزيائية تفسير غير سليم منهجياً. ويرى أن إثبات حرية الإرادة لا سبيل إلى إثباتها استناداً إلى أي شكل من أشكال اللاحتمية، ذلك لأن الحرية اختيار والاختيار تحديد، والتحديد لا سبيل إلى تحققه بدون الضرورة والحتمية. وذلك لأن القول باللا حتمية وانعدام العلّية إيذان لا بالحرية وإنما بالفوضى والتفسخ.. إن المفهوم الموضوعي للمصادفة يجعل للواقع المادي صفة تاريخية.
إن كتاب (فلسفة المصادفة) يكشف لنا عن الوجه الفلسفي للراحل محمود أمين العالم وهو جانب جدير بالبحث والتعمق في فهم توجهاته، لأنّ له - لابد - أثراً كبيراً في توجهاته النقدية والسياسية لأنه يمثل الأساس الفكري الذي انطلق منه في آفاق الثقافة والنقد.
النور