بعض المنطلقات النظرية للممارسة النقدية عند محمود أمين العالِم

د. عاطف بطرس قرأها 564
 

بعض المنطلقات النظرية للممارسة النقدية عند محمود أمين العالِم

بقلم: د. عاطف البطرس

تجيز لنا التجربة المعرفية والفكرية والنقدية لمحمود أمين العالِم، تناولها على عدة مستويات:

المستوى الخطي: كتسجيل مواقفه وسجالاته ومعاركه النقدية والفكرية، ودوره في نقل الفكر الماركسي، من خلال ممارساته النظرية والتطبيقية وعمله السياسي ونشاطه الصحفي والعلمي.

والمستوى العمودي: الوعي النظري والجهاز المفاهيمي والأدوات النقدية والمرجعيات الفكرية والفنية التي اعتمدها في الممارسة النقدية، النقد الأدبي تحديداً، وهو شمولي النزعة متعدد المعارف، متنوع المصادر، يستند إلى أرضية فلسفية ورؤية واضحة، للكون والإنسان والطبيعة والمجتمع، ولا يخفي مرجعيته الفلسفية (المادية الجدلية) المتفتحة على أحدث منجزات العلم، وآخر ما قدمته التجربة الإنسانية من حوارية في المعارف وتعدد في المرجعيات مع المحافظة على عدم الخلط بين الوعي الأيديولوجي والإدراك الجمالي، والعالم ينتمي إلى سياقين معرفيين: الوعي الفني و(الإدراك الجمالي)، والنظرية الفلسفية (العمق الأيديولوجي). وهو مطلع على القديم ومعاصر للجديد، ومتفاعل معهما على قاعدة التواصل والتراكم المعرفي.

إن عرض الآراء النقدية لتجربة غنية ومتنوعة وعميقة كتجربة العالم يقودنا إلى ابتسارها، وعلينا أن نتريث كثيراً في مقاربة النشاط العملي والنظري للمفكر والسياسي والناقد (العالم)، ونحفر عميقاً في تكوينه الثقافي وفي السياق الذي نشكل فيه مفكراً وسياسياً وناقداً، ونتوقف عند ظروف الإنتاج النقدي للعالم وشروط تلقيه، في عالم يمور كل يوم بمعرفة جديدة، وتصبح الثقافات فيه أكثر تدخلاً، ويتسم بالتحولات الثقافية وانزياح الحقائق.

العالم يواجه منهجه ويتجاوز ذاته، وينتقل من نقد المضمون إلى نقد الشكل، لكنه لا يضحِّي بأسس العلاقة بين الشكل والمضمون، ويعترف أن الشكل هو وعي اجتماعي وإدراك جمالي للواقع، والاحتفاء بالشكل (القيم الشكلية) أمر بالغ الأهمية.

الجهازالمفاهيمي للعالِم

من الصعب الإحاطة بأعمال العالم النقدية، فكل ما أنجز فكراً ونقداً أدبياً يتسم بالتعدد، وفكره بشكل عام وممارسته نقدية لا تقرُّ بالثوابت المطلقة، وكل شيء عنده قابل للمساءلة والمراجعة، وهو بذلك بعيد عن الصنمية مرن في تناول موضوعاته، يحنو على النصوص التي يتعرض لها بالنقد والمساءلة، ولعل هذه الصفات لا يمكن أن يتجرد منها من يمارس عملية النقد.

ترك العالِم أكثر من عشرين مؤلفاً، نصفها تقريباً في النقد الأدبي (الشعر، الرواية، القصة، المسرح)، إضافة إلى جهود كبيرة في الفنون التشكيلية والموسيقا. مقاربة أعماله يحتاج إلى جهد كبير. ما سنحاوله أن نتلمس أهم المفاتيح النظرية عنده في الممارسة النقدية للأدب.

تنوعالاهتمامات

عاش العالم مشتتاً بين إرادة الخلق الأدبي (تجربته مع كتابة الشعر) وإرادة الفكر النقدي (مفكراً وباحثاً)، وإرادة البحث العلمي الفلسفي (دراسته الجامعية)، وإرادة النضال العملي (الحزبي السياسي). والملاحظ انعدام التخصص أو التفرغ لنوع أدبي، وحقل معرفي محدد.

يرى العالم أن هذه المشكلة تخصّ جيلاً بأكمله، وهي نابعة من طبيعة المواجهة وشموليتها، وتنوع المشكلات المطروحة وربما كانت جذورها ذاتية، وهو طموح الكاتب في الوصول إلى مفهوم الإنسان الشمولي الذي يسعى (