مواجع العشق وحرائق بلاد الأسطورة والشعر

د. عاطف بطرس قرأها 7
  

أول ما يلفت النظر في كتاب موسى السيد (عاشق من بلاد الأسطورة والشعر) غياب النوع/ التجنيس/، فالمؤلف لم يذكر على لوحة الغلاف، ماذا سيقرأ المتلقي؟ فيترك أفق توقعه مفتوحاً على احتمالات انتظار متعددة، ويحرره من النظرات القبْلية سابحاً في فضاءات الكتابة دون الوقوع في أسر الأشكال المسبقة، طليقاً من القيود، محلقاً في سماوات الحرية.

عتبات النص:

1.    العنوان:

عنوان الكتاب، بعد تحديد النوع، أول ما يستدعي اهتمام المتلقي، فهو محفز للقارئ، يعطيه تصوراً أولياً مختزلاً عن موضوع الكتاب، ويأخذ بيده ليدخل عالم النص مسلحاً باستعداد مسبق لمواجهة الموضوع. فالعنوان خادم للنص المركزي، وبنية صغرى تحيل إلى بنية أكبر هي النص، إضافة إلى ذلك (العنوان) عنصر من عناصر الإثارة والجذب، وكلما كانت عناصر الإثارة والجذب قوية ومؤثرة، تيسرت عملية العبور من خارج النص إلى مراحله دون موانع. الأسطورة بكل ما تملك من قدرة على التحفيز والمغامرة والتخييل، والشعر /ديوان العرب/ وما له من قيمة في موروث الذاكرة العربية. والعنوان مكتوب باللون الأحمر.

2.    لوحة الغلاف:

العنوان جزء من كل، يتواشج ويتعالق مع لوحة الغلاف بكل مكوناتها من اسم المؤلف إلى تحديد النوع إلى الدلالة الكلية التي يفترض أن تحيل إلى النص، وتمهد لمواجهته.

دجلة بهدوئه ووقاره يلج بغداد، فتلد نباتات جميلة (المعاصرة) وأشجار نخيل باسقة (التراث) زرقة متناهية في الوضوح والصفاء، تتحدى قدرة الأعداء على تلويثها، تشمخ باستطالتها غير المتناهية، زواج الشعر بالأسطورة، الحديث بالقديم، ولادة المستحيل الممكن الساكن بين زرقة السماء واخضرار ذوائب النخيل.

التأمل في لوحة الغلاف (الدال) يوحي بالواقعية والربابة، فاللوحة منقولة عن الطبيعة بصدق دون أية إضافة أو تشكيل. والعنوان مفعم بالشاعرية والشفافية والإيحاء، نشعر بصدمة خفيفة من عدم مطابقة العنوان (كجزء) مع اللوحة (ككل). بمعنى آخر، لوحة الغلاف تفتقر إلى حالة التواشج والتعالق مع قوة حذف العنوان، فهو أكثر دلالة وأعمق تأثيراً، رغم جمال اللوحة (بغداد). الهدوء والحضارة والقدم والمستقبل، تحيط النص من الجانبين.

3.    الإهداء:

إذا كان من حق القارئ تأويل النص، لا بل وإعادة تشكيله (فلا وجود له كنص قبل أن يقرأ)، وإذا كان من حق المتلقي أن يعيد إنتاج النص ووفق إمكاناته وذائقته، فهل يحق له أن يضيف شيئاً إلى إهداء المؤلف، وأيهما أهم الإهداء أم النص؟ أو ليس النص رسالة المبدع إلى المتلقي والمساحة (الفضاء) الذي يلتقيان على حواره، يغيب المؤلف ويبقى النص في علاقة مع القارئ. جاء في الإهداء : "إلى الذين عشت لأجلهم، وطني وحبيبتي هالة الدفء والشغف، وأصدقائي أولادي فادي وبشار.

فهل لنا أن نضيف بعض ما تركه فينا النص ونقول: وإلى كل من يحب وطنه، وعندئذ نجد أنفسنا في نص (السيد) أكثر سطوعاً وفاعلية؟

النَّص:

بعيداً عن المفاضلة بين الشعر والنثر، فهي مصطنعة ووليدة ثقافة تقليدية ومرجعية تراثية، تعبر عن حكم مسبق، تعلي من مكانة الشعر على النثر.

يضعنا (السيد) أمام نص يقترب من مفهوم (الكتابة) انفتاح الأجناس، فيه من الشعرية ومن عناصر القصة والحكاية، والخاطرة والمقالة، في تواشج وتداخل يصعب الفصل بينهما، يحدد ذلك طبيعة الموضوع (القصد)، وقوة الدفق الشعورية. نحن أمام نصٍّ متعدد الوجوه متداخل الأنواع منفتح بحرية على تمثل الأشكال الأدبية.

يلح الكاتب على الصلة العميقة بالتاريخ، التاريخ الواقعي والأسطوري لبلاد الرافدين في وحدة العلاقة بتاريخ المنطقة (اتصال وتواصل) وليس انقطاع وتبر، التاريخ هو الذاكرة، واغتيال الذاكرة المقدمة الأولى لاحتلال الأوطان. التواصل التاريخي وحضور الذاكرة الجمعية أهم مقومات الشخصية في كتابات موسى السيد، جلجامش زنوبيا، سميراميس، كليوباترا، توغل في الماضي وانفتاح على المستقبل على أساس الوحدة التاريخية للمنطقة.

الماضي ليس سلاحاً للمفاخرة والادعاء وإنما هو ركيزة وأساس لصناعة المستقبل. فالذاكرة ليست خزاناً للذكريات. بالحب والعشق والفناء تبنى الأوطان ويدافع عنها، (من لا يحب وطنه لا يعرف معنى افتداء الأوطان)، وصية الوالد لابنه: (يا موسى سوف أرحل، فتذكر عروق النخيل وحب النساء والتراب الذي تدوس فوقه، ولا تكره إلا كلَّ من يدنس ذلك). زمن الحروب يحتاج إلى حب عظيم، فلا تتشاءموا من مكر التاريخ أو شقائه أو غدره.

أحزان موسى السيد شخصية وحبه متفرد، لكنه يحضنا جميعاً. استطاع أن يعزف على أوتار أحزاننا، فنصبح واحداً في جوقة الألم، وفي قلب المواجهة. ومن يقاوم لا يعرف الناس ولا يفقد الأمل ولن يضل الطريق. فدمشق التي تحب هي لك كما هي بغداد لنا في جدلية وحدة المصير، والمقاومة أبرز ما يلح عليه الكاتب حتى في أكثر نصوصه ذاتية وحزناً. إنه يتوجع فنئن، يتألم فنبكي، لكننا نقف معاً في خندق المواجهة (ثقافة المقاومة). (السطر الأخير في التاريخ ليس خلاصة كل الأشياء)، ومواجهة الحاضر البائس بالتاريخ المجيد، والحضارة العريقة بهمجية العدوان. أحد تجليات المقاومة في نصوص الكتاب، عصر الهيمنة الأمريكي ليس نهاية التاريخ، إذ يمكن هزيمة العالم بقصيدة حب.

يقول فيكتور هيغو في رسالة إلى بودلير معبراً عن إعجابه بشعره (إنك تبتكر قشعريرة جديدة).

هل استطاعت نصوص موسى السيد أن تهيج فينا قشعريرة حب الأوطان التي قد تغفو أحياناً تحت وطأة (الراهن) العابر وضغطه؟ وهل هي بديل لحالة التردي والخمول والذهول أمام اجتياح الأحلام وصدمة الواقع؟ وهل يشفع العمق الثقافي وحده؟

كتب موسى السيد القصة القصيرة، وكتب الرواية، وكتب المقالة والخاطرة، وهو في كتابه، ينشد الشعر (الصمت الموارب)، ليست أفضل النصوص وإن كتبت على شكل قصيدة، فالشعرية توجد في النثر كما هي موجودة في الشعر. وشواهد نصوص السيد كثيرة، وهي خير دليل على ذلك، فهل يشترط لتكون شاعراً أن تكتب قصيدة؟!

نص السيد لون من الكتابة، تتداخل فيها الأشكال (الأجناس)، بعيدة عن نقاء النوع الذي أصبح متداخلاً في زمن انفتاح النص، ففي الكتاب القصة والحكاية والخاطرة، يسكبها المؤلف في فرن التجربة، ويصقلها، بوهج انفعالاته، يصوغها من مرارة عذاباته الشخصية والعامة، مغلقة بفيض من الشاعرية عبر لغة صوفية وعشق مجنون لوطن يسكن زرقة السماء واخضرار ذوائب النخيل، (وطن مسكون بالفواجع والزهر والانحدار والتألق والشعراء والأساطير، وطنٌ الأشجار فيه لا تغادر الأرض، والرجال يرون في عروق أشجار بلادهم وجوه من يحبون).