رحيل واحد من أهل الوعي المحترمين

وليد إخلاصي قرأها 321
 

رحيل واحد من أهل الوعي المحترمين

بقلم: وليد إخلاصي

رحل محمود أمين العالم. وما كان ليقال عنه سوى أنه واحد من رجال امتلكوا الوعي الكلي وساهموا في صنعه. رحل مخلفاً لنا وللأجيال من بعدنا تراثاً ستكشف الأيام عن أهميته في عقل العرب ووجدانهم. وكان الرجل هو الأكثر وداعة في التعامل مع الآخر. إلا أنه الأشد ضراوة في مواجهة الزيف والعقل المغيب.
خرج من رحم الفلسفة فكانت أدواته الرؤيا المنفتحة على العالم، وزاد عليها حس شاعر وقدرة قائد على توجيه سفينة الفكر الناقد، فأصبح أمثولة يحتذى بها في حياته الغنية ورحيله عن الدنيا. وهكذا أحببناه احتراماً لعطائه، واحترمناه تقديراً منه لمشاعرنا وقد فتح منها النوافذ على عمق الأفكار، ولم يتردد في كشف الغطاء عن أهمية تأقلم المصطلحات في السياسة والنقد لتصبح عربية الهوى واللسان، مثل ما جاء في دراسة رضوان قضماني: "استبدل العالم بلفظ (الانعكاس) لفظة (التجلّي) وقال إن الأدب هو تجلٍ إبداعي للواقع وليس انعكاساً له".
محمود أمين العالم هو واحد من أهم الذين عملوا على نقد المجتمع وكذلك الأدب، إلى جانب رؤية نقدية لمجمل الأفكار والأوضاع الكونية، ليصبح شاهداً على العصر مستنداً إلى تفحّص الماضي، وعين له على المستقبل، فكان ربطه بين مراحل التاريخ الثلاث يدل على أعلى درجات الوعي بالمسار الاجتماعي. وإذا كان هذا الرجل المفكر قد خرج من رحم الفلسفة ليعمل في السياسة على مذهب الفكر الناضج لا طريقة الغوغائية المتفلتة من عقال المنطق والوعي. وكما تأكد في قول يوسف سلامة: "العالم لم يكن ماركسياً أرثوذوكسياً متبعاً ومقلداً، بل على العكس من ذلك تماماً، فقد كان العالم فيلسوفاً مبدعاً ومجدداً في استخدامه للماركسية ما دام ينظر إليها بوصفها مرشداً عاماً، لا على أنها مجموعة من القوالب الناجزة المقدسة".
ويبرز عند محمود أمين العالم اهتمامٌ لم يتخلّ عنه في العقود الستة من عمره الإبداعي، ألا وهي أزمة الفكر العربي، وكما جاء في دراسة ماهر الشريف: "وقد أرجع محمود أمين العالم أزمة الفكر العربي إلى الثنائيات التي شكّلت إطاره الفكري منذ عصر النهضة' والتي تمثّلت في ثنائية رئيسة هي ثنائية العلاقة بين التحديث التابع والمفروض سلطوياً وواقع البنية التقليدية الموروثة".

وشغلت العالم قضية كبرى اختصرها المصطلح بالحداثة، وهو الذي برز في العقود الأخيرة من الحياة العربية وكذلك الإسلامية، وكان واحداً من هموم العالم، يسعى في تفكيكه للصراع القائم بين التراث والمعاصرة، فلم يكن عنده حرب بين قيمتين، بل حوار قام بين مرحلتين من زمن امتد على مدار التاريخ. والاستشهاد من جديد بدراسة الشريف يقول: "أشار محمود أمين العالم إلى أن الحداثة قد دخلت المجتمعات العربية مع المطبعة والقطار، ثم أخذت مظاهرها تغمر البلدان العربية، لكنه لاحظ أن هذه الحداثة لم تكن ثمرة تطور داخلي، إنما فرضت من الخارج وتمت معها ركائز اجتماعية محلية، لكن دون أن يعني ذلك، كما أضاف، أن الحداثة مرادفة للاستعمار. وعلى قاعدة الفصل الذي أقامه بين حداثة برانية، من جانب، وحداثة جوانية، من جانب آخر، رأى العالم أن الحداثة الجوانية، الحقيقية، لن تتحقق في المجتمعات العربية من دون تغيير جذري لمختلف الأبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية" وفي دخول العالم إلى جسد الثقافة ليضع إصبعه على جرح لم يتوقف عن النزيف يوماً، إلا أنه أصاب كثيراً في محاولاته لالتئام ذلك الجرح بوصفاته التي أظهرته كطبيب شغله هم الوضع العربي.
كتب محمود أمين العالم مع عبد العظيم أنيس (في الثقافة المصرية) الذي هيّج مشاعر عدد من كبار كتاب مصر، إلا أن هذا الكتاب بقي مستنداً بالغ الأهمية في توصيف الثقافة وتحليلها.
وكتب (الثقافة والثورة) و(تأملات في عالم نجيب محفوظ) و(توفيق الحكيم مفكراً وإنساناً) و(الوعي والوعي الزائف في الفكر المعاصر)، وكثير من الكتب الأخرى. وكانت له رئاسة تحرير (قضايا فكرية) غير الدورية والتي كانت واحدة من أهم المجلات العربية، لتصبح منارة من بين إصدارات الفكر العربي على ندرتها.
وكانت معرفتي بالعالم منذ أواخر الستينيات، يوم دعته القيادة القومية لحزب البعث، فاكتشفت فيه صديقاً يصح أن يكون أباً روحياً. ولم أنقطع في زياراتي للقاهرة عن الاتصال به والاجتماع معه. وقبل حوالي السنتين شاهدته في شارع سليمان باشا مسرعاً، فاستوقفته لتبادل التحية، وكان آنذاك في طريقه إلى نقابة الصحافة كي يتجه مع آخرين إلى مقر وزير الداخلية المصري من أجل الاحتجاج على اعتقال صحافيين.
سؤال: أتراه في شيخوخته بقي أميناً على حرية الآخرين؟
والجواب: إن محمود أمين العالم لم ينحرف يوماً عن طريقه في التحام الفكر بسلوك حياته اليومية، فقد ظل أميناً على مبادئه كمتصوف الوعي الذي لا يشبه أحداً إلا القليل من الرجال.
وهكذا أقول إننا نفتقده في زمن الحاجة إلى أمثاله، وبظني أنَّ دراسات هذا الكتاب عنه لم تكتب إلا انحناء لذكراه المرشحة للبقاء، ولإنجازاته الخطيرة التي ستلعب دوراً في تعميق الوعي على مر السنين. وأعتقد أن هؤلاء الكتّاب قد أنصفوا محمود أمين العالم.