ردُّ الأشياءِ إلى أسمائها الأولى
ردُّ الأشياءِ إلى أسمائها الأولى
فاطمة ناعوت
من أهمّ الأمور لعقد حوار ناجح بين طرفين أو أكثر، الاتفاقُ على المسميّات والمصطلحات، من أجل الوقوف على أرض واحدة فى النقاش. فلن تُجدي مناقشة موضوعة الديمقراطية، مثلاً، بين مجموعة من الناس، بينما يختلف اثنان منهم على تعريف الكلمة.
وينسحبُ الحالُ على كافة أمور الحياة وإشكالاتها، سواء المعياريّ منها، أي القابل للتقنين والتعيير والقياس، أو غير المعياريّ الذى لا يخضع إلا لأحكام الشخص الخاصة تبعًا لثقافته ومكونه المعرفيّ والحضاري والبيئي.
وحين نصفو إلى ذواتنا ونحاول أن نتأمل مفردات نستخدمها كثيرًا فى نشاطنا اليومي، نكتشف أننا قد نستخدمها فى غير سياقاتها الصحيحة. ذاك أن معناها الأول قد طمرته، عبر العصور، طبقاتٌ من التسييس، ثم تعمُّد التغييب، حتى لبستِ الكلماتُ في الأخير، لدى الأجيال الأحدث، أثوابًا ليست لها. وفي محاولة ردّ الأشياء إلى أسمائها الأولى نكتشف أن مفردة «المواطَنة»، تعني علاقةً بين مواطِنٍ ووطن. وهى علاقة تبادلية من حقوق وواجبات.
هي كذلك علاقة مجتمعية وليست فردانية. فكما للمواطن حقوقٌ لدى وطنه ومواطنيه، فعليه واجباتٌ تجاه وطنه، وتجاه مواطنيه الذين ينتمون إلى هذا الوطن. أما مفردةُ «العقيدة»، فهى علاقة فردانية مطلقة. تقوم بين إنسان، مهما كان موطنه، وبين إله ما، يؤمن هذا الإنسانُ فى ألوهيته هذا الكون. وهي من هذا المنطق علاقةٌ غير مجتمعية لا دخل للجغرافيا أو للمجتمع ولا «للآخر»، على إطلاقه، أدنى علاقة بها. وهنا، يتشعب اعتناقُ العقيدة من أحد نبعين. إما أن تكون هذه العقيدةُ موروثةً، وهو شأن السَّواد الأعظم من سكّان الأرض؛ فنجد اليهوديَ، يهوديًّا، لأن أبويه يهوديان، فورث عنهما عقيدتيهما ومن ثَمَّ صار يهوديًّا، وينسحبُ الحالُ ذاته على المسيحيّ والمسلم، مثلما ينسحبُ على الهندوسيّ والبوذيّ، وسواهما من الأديان الوضعية، كما فى الديانات السماوية الثلاث. وأما النبع الثاني فهو أن تكون العقيدةُ مُختارَةً. أي أن يختارَ الإنسانُ عقيدتَه بملء وعيه؛ ضاربًا صفحًا عن عقيدة أبويه. وهؤلاء قلّة نادرة في أرجاء العالم.
هم قِلَّةٌ نادرةٌ ليس بسبب حدودِ الردّة التى يطبّقُها الهيكلُ أو الكنيسةُ أو الأزهر أو العشيرةُ أو القبيلةُ أو أي سُلْطة دينيةً كانت أو عُرفية، على الشخصِ الذي يريدُ أن «يختارَ» عقيدتَه بملء إرادته، بدلَ أن يستسلمَ لاختيارٍ إرثيّ عَرَضيٍّ فُرِض عليه من قِبَل أسلافه، لا، بل هُم قِلَّةٌ بسبب الكسل والتواكل والارتكان إلى الأسهل. فالإنسانُ اعتاد أن يُسلّمَ ببعض الأمور القَدَريّة التي يرى أنها محكومةٌ ومحسومةٌ ولا مجال ثمة متاحًا لإعادة التفكير فيها. فمثلما نقبلُ لونَ جلودنا، التى فرضها علينا الجين البيولوجي، نقبل أسماءنا، التى اختارها لنا أبوانا، نقبل كذلك «دون تفكير» عقيدتنا التي اعتنقها، بالنيابة عنّا، سلفٌ قديم انبتّت بيننا وبينه سُبُلُ التواصل.
وحين أفكرُ فى الأمر أندهشُ كثيرًا. كيف سنواجه اللهَ يومَ الحساب حين يسألُ أحدَنا: هل اخترتَ ديانتَك؟ فيجيبُ واحدُنا، بل استسلمتُ لما اختيرَ لي من قِبَل أسلافي الذين لا أعرفهم! كيف يحقُّ لي، كمسلمةٍ، أن أفخرَ بعقدتي وأشكرَ الله على نعمة الإسلام، وكيف يحقُّ للمسيحيّ، في المقابل، أن يفخرَ بعقيدته، ثم أساجلَه ويساجلني، وأُناحرَه ويناحرَني، ثم أُكفّرَه ويكفّرني، وقد أقتلُه أو يقتلني، بينما لم أخترْ أنا، ولم يختر هو، ما نتفاخرُ به ونتناحرُ، كلانا، من أجله؟!
وحين أنسلخُ عن ذاتيتي لبرهةٍ فى محاولةٍ لتأمُل الأمر من منظور أوسع، أفكر أن الله تعالى بالقطع لا يريدُ منا ذلك. لا يريدنا ورثةَ عقائدَ، بل مُختارين تلك العقائد. يريد منّا أن نقرأ ونتأمل ونفكر ثم نذهب إليه يوم الحساب وقد اخترنا ما سنُسأل عنه، حتى نستحق جنّته التى وعد بها. يريدنا اللهُ جلّ وعلا أن نختاره بكامل وعينا وإدراكنا وإرادتنا، حتى نكون أهلاً لبُشراه لنا بالنعيم الخالد، لا أن نقبل ما قِيد لنا أو ما أُرغمنا عليه إرغامًا. من هنا تأتي عبقريةُ الآية القيّمة: «فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ».
كتابي يقول: «إنما الدينُ عند الله الإسلام.»، لكن بالتوراة كذلك، مثلما بالعهد الجديد، ما يقولُ مثل هذا القول عن اليهودية وعن المسيحية. وبالقطع يؤمن البوذيُّ والهندوسيُّ وغيرهما بمتانة معتقده، تماماً مثلما يؤمنُ المسلمُ بمتانة عقيدته وواحديتها.
لذلك أندهشُ كلَّ الاندهاش من تطاحنات العقائد. والحقُّ أن العقائدَ لا تتطاحن، فجميعها تؤدي إلى الخالقِ الواحدِ الجميلِ الذى خلقَ لنا هذا الكونَ لنعمّره بالصلاح والجمال والحب والتعايش. إنما يتناحرُ معتنقو تلك العقائد الغافلون عن جوهر فكرة الخلق. ذاك أن العقائدَ والنظرياتِ، جميعَها، تدعو إلى الفضيلةِ والرُّقىِّ والتَّحابِّ بين الناس، لكن العطبَ، كلَّ العطبِ، دائمًا ما يأتي من مُطبّقي النظرياتِ ومعتنقي العقائد. وللحديث بقيةٌ حول المواطَنة.
www.geocities.com/fatima_naoot