مقاربات أولية لبنية السرد في القصة القصيرة عند نجيب محفوظ
د. رضوان القضماني
تنطلق هذه المقاربة من تساؤل يقول: هل استطاعت القصص القصيرة عند نجيب محفوظ أن تتمثل فيها نقلة في بنية السرد يميزها سردياً من باقي أجناسه، نقلة تميز ما كتبه نجيب محفوظ من قصص قصيرة عما كتبه سابقوه، وربما لاحقوه. قد تكون الحركة النقدية العربية توانت في بحث مثل هذا التساؤل.. إذ تناولتْ رواية نجيب محفوظ بغزارة تصل إلى عشرات المئات من الكتب والدراسات التي حللت مضمون تلك الرواية ومحتواها، وبعضها ـ وهو قليل ـ حلّل الشكل والبنية الروائية، وبعضها الآخر تناول مسائل فيها الرمز والأسطورة والرؤيا والموقف والثورة والتصوف والفلسفة وتوظيف التراث والنزعة الإسلامية والنزعة التغريبية، وعلاقة هذه الرواية بالسيرة الذاتية، أو بالمسألة الوطنية، أو بالشاشة ـ سينمائياً أو تلفزيونياً. وتوقفت تلك الدراسات عند النزعة الذهنية فيها وعند اتجاهاتها، من واقعية ورمزية وواقعية جديدة، وحلّلتْ البنى الاجتماعية والطبقية فيما تناولته مركزة على الطبقة الوسطى المصرية، ونظرت إلى الرواية في مرايا الاستشراق. لكن لم يتناول بنية الشكل في هذا الكم الروائي الكبير سوى عدد قليل من الدراسات، وهو عدد يكاد يعد على أصابع اليدين ـ في مقابل تلك التي ذكرنا والتي تعد بعشرات المئات. وقد ركّز أكثرها على دراسة الشخصية الروائية، الرئيسة والثانوية. ولم يتطرق إلى بنية السرد منها إلا أقل القليل. وقد ذكرنا هذا كله لنقارنه بالدراسات التي تناولت القصة القصيرة عند نجيب محفوظ، سواء تناولت النص القصصي من خارجه، أي: اجتماعياً وسياسياً وثقافياً ودينياً ونفسياً وأخلاقياً وتراثياً، أم من داخله، أي: سرداً وبنية وشكلاً، فإذا ما بحثنا عن الدراسات التي تناولت هذا القص كنا كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، إذ لن نجد إلا بضعة أعمال، يدرس بعضها القصة القصيرة عند نجيب محفوظ بمقارنته بغيره، مثل دراسة الدكتور يوسف نوفل: (الفن القصصي بين جيلي طه حسين ونجيب محفوظ) 1988. أو يقارن غيره به مثل الدراسة القيّمة التي نال بها عبد الرزاق الهمامي درجة الدكتوراه في الآداب من جامعة تونس عام 1999، وكانت بعنوان (الحكاية والتأويل في قصص نجيب محفوظ وجمال الغيطاني). ولعل هذا الضيم الكبير الذي لحق بقصة نجيب محفوظ القصيرة يعود في أسبابه إلى رأي كان سائداً يقول: إن القصة رواية قصيرة، وإن العلاقة بين الرواية والقصة هي علاقة بين أصل وفرع. وقد اعتمد هذا الرأي أساساً مجموعة نجيب محفوظ القصصية الأولى: همس الجنون (التي يؤرخ نجيب محفوظ صدورها الأول بعام 1937، بينما يؤكد د. عبد المحسن بدر في كتابه: (نجيب محفوظ، الرؤية والأداة) تاريخ طبعتها الأولى بعام 1947، (ولهذا الاختلاف دلالة)، وهي مجموعة كان نجيب محفوظ يجرب فيها كتابة القصة القصيرة، ولذا ساد فيها الطابع التجريبي، وكانت قصص المجموعة ـ في غالبيتها ـ مشروعات لروايات طويلة جاءت في المجموعة مختصرة ومختزلة، واعتمد بعض تلك القصص على المفارقة العجيبة والمدهشة وتمثل في أكثرها حضور المؤلف حضوراً كاملاً يبدأ من عنوان القصة حتى خاتمتها، لذا اختلط في قصص هذه المجموعة مفهوم القصة القصيرة بمفهوم الرواية ومفهوم السيرة الذاتية، وبدا في الكثير منها أن الكاتب كان يكتب رواية مضغوطة في شكل قصة قصيرة. ولم يصل نجيب محفوظ إلى كتابة القصة القصيرة على أنها جنس أدبي مستقل يختلف عن جنس الرواية جذرياً وله خصوصياته المميزة وتقنياته المختلفة، إلا بعد هذه المجموعة، وبعد أن توقف عن كتابة القصة القصيرة ردحاً من الزمن.
يقول الشكلاني الروسي بوريس ليخنباوم: إن القصة والرواية ليسا شكلين لجنسين أدبيين مختلفين نوعاً فحسب، بل إنهما متناقضان أيضاً، فالرواية شكل توليفي، سواء تطورت عبر مجموعة من القصص، أم تراكبت بإدماج المادة الأخلاقية والسلوكية فيها. أما القصة فهي شكل أساسي أولي، وإن كان هذا لا يعني أنه شكل بدائي. ويقول أيضاً: إن القصة القصيرة تبنى على قاعدة تناقض، أو انعدام تصادم، أو خطأ أو تعارض، فكل شيء في القصة القصيرة يميل نحو الخلاصة.
يوحي مطلع القصة القصيرة بوجود حكاية تلبي شرطين اثنين: الأبعاد المختصرة، والتشديد على التركيز. ويمكن تحديد ملامح هذا الجنس بتمييز سرديته (حسب مفهوم شكلوفسكي) التي تكسبه بنية محددة تتسم بالإحكام الشديد من حيث حدود الثيمة، وبنية الشخصية فيها بارتباطها بحيز زمني قصير نسبياً لا يظهر تطورها عبر أحياز زمنية عدة، فهي اختصار لعالم كبير واسع، معقد وصعب. وهي بكثافتها وبنيتها تلك تشكل منفذاً للدخول إلى عالم الإنسان، لتطرح أسئلتها، بهدوء أحياناً، وبعنف أحياناً أخرى.
ويرى تشيخوف ـ الشيخ الذي خرج كتّاب القصة القصيرة من معطفه، قياساً إلى ما يقولونه عن غوغول ـ أن القصة القصيرة تكثيف للحظة وضغط عليها وعصر لها، كي لا يبقى منها إلا العصارة المأخوذة من اللب.
القصة القصيرة ابتكار حكاية. والحكاية سابقة على السرد، لكنها تقوم على السرد ومقوماته.
يؤكد نورثورب فراي أن الحكاية هي جوهر بنية كل قص. أما السرد فهو الطريقة التي تروى بها الحكاية نثراً، ذلك أن القاصين يمكنهم أن يحكوا القصة بالطريقة التي تجعلها مختلفة عن مجرد أحداث القصة لتتحول الحكاية إلى نسيج سردي. إن السرد يجعل الحكاية بنية استعارية نشأت من تقابلات بين التشابهات والاختلافات التي تكوِّن هذه البنية.
إنه ـ كما يشير الشكلاني الروسي توماشفسكي ـ شبكة من التقنيات الأدبية التي تسوِّغ نسيج موتيفات عدة، أي عوامل عدة، أو حوافز عدة في نص واحد، منها الحكاية، والشخصية، والزمن، والمكان، والحدث.. لكن بنية القصة القصيرة تبقى قائمة على دعامتين: الحكاية، والطريقة التي تحكى بها الحكاية. وليس لطريقة حكي الحكاية علاقة بامتداد الحدث زمنياً، لأن السرد يستطيع أن يختزل ما جرى ويجري في حياة كاملة إلى سرد يروى في مدة لا تستغرق أكثر من الزمن الذي يحتاجه ماسح الأحذية لمسح حذاء، كما في قصة نجيب محفوظ (أهلاً) من مجموعته (الجريمة)، إذ يختزل فيها زمن الحكاية، الذي يتراوح بين الماضي مستحضراً والحاضر معيشاً وموصوفاً عبر تقنية الاستحضار المزدوج، إلى المدة التي يقوم بها ماسح الأحذية بمسح حذاء الزبون الجالس أمامه على كرسي المقهى. إنه مدىً زمني يمتد من الخمسينيات إلى بداية السبعينيات. يصبح الزمن في التقنيات السردية اختزالاً للعالم الواقعي وإعادة صياغته وفق رؤية محددة، وتصرف فيه يعيد ترتيب الوقائع، فيؤخر بعضها ويقدم بعضها الآخر وفقاً لتقنيات الاسترجاع والاستباق، إلى جانب تقنيات أخرى متنوعة مثل تسريع الوتيرة الزمنية باعتماد التكثيف والإحاطة الموجزة بفترات زمنية شاسعة وغير ذلك. وتتكرر تقنيات السرد في بنية عامل الزمن (موتيف الزمن) عند نجيب محفوظ بين نص قصصي وآخر تكراراً تتراوح أشكاله بين التطابق والتشابه. وتميز تقنية هذه البنية بين زمن الخطاب وزمن الخبر ليتشكل منهما المدى الزمني بمكوناته التي يتصرف بها السرد ويوظفها.
ويمكن تحديد جوانب هذه التقنيات على النحو الآتي:
1. التقابل بين زمن الخطاب وزمن الخبر: في قصة (أهلاً) من مجموعة (الجريمة):
· زمن الخطاب = الزمن اللازم لعملية مسح حذاء.
· زمن الخبر: هو نقطة الوصل بين زمنين، ماضٍ وحاضر تحيل عليهما أحداث القصة.
· المدى الزمني: يمتد من بداية الخمسينيات إلى بداية التسعينيات.
· التركيب الزمني: متابعة مزدوجة ومتناقضة للأحداث ضمن فترة موجزة راهنة.
· التقنيات السردية: تقنية الاستحضار المزدوج الذي يقوم به ماسح الأحذية والزبون.
ومن خلال الربط بين زمن الخطاب وزمن الخبر يتبيّن الموقف القصصي.
وفي قصة (من تحت لفوق) من مجموعة (الفجر الكاذب) نجد:
· زمن الخبر يتركّب من مكونات ثلاثة:
· زمن معاناة نعيمة، الفتاة اليتيمة في بيت أبيها.
· زمن مغادرتها المنزل هرباً من جحيم السخرة والحرمان.
· الزمن الانتقالي بين الزمنين، ويقوم على محورين، محور الانفصال عن الزمن الأول، ومحور الاتصال بالزمن الثاني.
· المدى الزمني، ويتشكل من المكونات الثلاثة المذكورة التي تمتد 22 سنة، ويُقدِّم من خلال تقنية تقوم على التلخيص والانتقاء ووفقاًَ لتغير الحال، بحيث يمكن توظيف هذا المدى سردياً.
2. اللجوء إلى التعددية الزمنية:
في قصة (صاحب الصورة) (من مجموعة الحب فوق هضبة الهرم):
· يتشكل المدى الزمني من مكونات ثلاثة:
- المكون الأول: اختفاء شيخون محرم.
- المكون الثالث: عودته للظهور.
- المكون الأوسط: الزمن الفاصل بين الطرفين.
ونقطة البدء هي لحظة الاختفاء في المكون الأول. أما تقنية السرد في هذا العامل الذي يقوم على التعددية الزمنية فهي تتناسب مع المكون الذي نتناوله لتظهر في شكلين:
- أولهما تقنية التمهل والتفصيل لتغطية حادثة الاختفاء لتعود مرة ثانية مع حادث الظهور المفاجئ لشيخون ولقائه بابنه ثم زوجته.
- وثانيهما تقنية سردية مغايرة تقوم على التلخيص تظهر في عبارات مثل: تواصلت الأيام، لحقت بها الأشهر والأعوام، الغرض منها تكثيف المدى الزمني والقفز على تفاصيله.
3. التماثل بين زمن الخطاب وزمن الخبر:
ـ في قصة (الظلام القديم) من مجموعة (الشيطان يعظ):
الحكاية: مجموعة من الرجال خرجوا إلى ظاهر المدينة، ولعبوا مباراة رياضية في الخلاء، وانشغلوا في شجار تافه إلى أن نزل الظلام وضلّوا طريق العودة إلى المدينة.
· المدى الزمني: مدة لا تتجاوز الزمن الممتد بين الأصيل وحلول الظلام، وهو كم زمني لا يتيح إعادة ترتيبه، ويوظف سردياً لتأكيد معنى التيه.
· التقنية السردية: صياغة لعامل الزمن، وظيفتها إبراز معنى إضاعة الاتجاه.
ـ في قصة (تحت السمع والبصر) من مجموعة (التنظيم السرِّي):
· فضاء زمني يمتد بضع ساعات من فصل الربيع، تفتح النوافذ فيها لتلقي نسمات المساء، وهي المدة التي تسمح لمتساكني العمارات بمتابعة المشاجرة موضوع القص، وهي ساعات تبدأ من (لن تنتهي هذه الليلة على خير) وتنتهي بجريمتين، جريمة مباشرة قَتَلَ الزوج فيها زوجته، وجريمة غير مباشرة تواطؤ الجيران فيها على التهاون في الاستجابة لاستغاثة الزوجة.
· أما تقنية السرد فتقوم على التماثل بين زمن الخبر وزمن الخطاب.
4. المزاوجة بين الزمن وعجائبية الزمن:
ـ في قصة (العين والساعة) من مجموعة (رأيت فيما يرى النائم) تداخل عجائبي بين زمنين تفصل بينهما مئات السنين، زمن مباشر يشمل ليلتين ويوماً فحسب، وهو مدة التجربة العجيبة التي عاشها صاحب البيت القديم حين كان يقضي فيه ليلته الأخيرة قبل بيعه والانتقال إلى نزل جديد، وفترة الرؤيا، حين رأى نفسه قبل دهر من الزمن الحاضر يحفر حفرة، يودع صندوقاً يتضمن وصية، ثم ينهض ليجد نفسه يحفر في صحن المنزل ويستخرج الصندوق ويفتح الوصية ويسرع إلى تنفيذها، مع وعيه أن هذا التنفيذ يأتي متأخراً مئات السنين، ليتوجه إلى منزل (عارف الباقلاني) الذي أمرته الوصية بزيارته ليفاجأ أن العسس بانتظاره للقبض عليه.
إنها تقنية سردية تقوم على استحضار قسري لزمن عجائبي بسحب مشهدٍ حاضر على مشهد من الزمن الغابر، ليعود بما فيه من تخييل إلى الزمن الحاضر.
لا ينفصل عامل المكان في بنية السرد عن عامل الزمان، حتى إن بعضهم جمعهما معاً في عامل واحد سماه الفضاء الزمكاني، لكن لبنية المكان في قصص نجيب محفوظ سماته الواضحة التي من أهمها التقابل بين مكونين أو أكثر في بنية السرد، وتشكل الفضاء المكاني من أحيازٍ وملحقات، ففي قصة الجريمة (من مجموعة الجريمة) نجد أنفسنا أمام حيزين متقابلين يشكلان الفضاء المكاني: الحي الشرقي (الماضي) والحي الغربي (الحاضر)، حي شرقي يزخر بالأزقة والحارات والبيوت البالية، وحيّ غربي يعج بالفيلات والعمارات الأنيقة ـ بما لذلك من دلالة رمزية بين الشرق والغرب. ويكتظ هذا الفضاء المكاني بحيّزيه بالملحقات مثل: السوق، والمكاتب والمصانع والأكواخ والفيلات والساحات والحانة والمحطة، ليتشكل من هذا كله نسيج متقابل مثقل بالدلالات.
وفي قصة (أهلاً) نجد الحي القديم بملحقاته وأهمها المقهى القديم الذي كان المكان المفضل للثري الذي كان فقيراً معدماً قبل أن يتسلق مصلحاً ليصبح أحد رجالات عهد ثورة يوليو. يجلس في المقهى مقابل ماسح الأحذية بصندوقه ـ يتبادلان حواراً يتناوب مع تناوب الرِّجْلَيْن على صندوق (البويا)، ومن خلال التناوب يظهر الفضاء المكاني متشكلاً من مكونين متقابلين. وتتكرر هذه البنية للفضاء المكاني في قصة (الرسالة) ـ من مجموعة (الشيطان يعظ) ـ ليكون التقابل بين حيز ماثل وحيز غائب يقع استحضاره. وتتحرك الشخصيات في الحيز الحاضر الذي تدور فيه الأحداث، لكن الحيز الغائب تستحضره الشخصية المركزية ليتفاعل مع الفضاء المكاني الماثل.
ويلجأ نجيب محفوظ في بنية الفضاء المكاني أيضاً إلى اعتماد حيز مكاني واحد مفرد، كما في قصته (في غمضة عين) من مجموعة (الفجر الكاذب) وهو شرفة كافيتريا الجلوب. وقد يتكون من حيزين: البيت وخارج البيت، كما في قصة (من تحت لفوق)، وقد يتكون من أحياز عدة كما في قصة (القتل والضحك) من مجموعة التنظيم السري مثل الماخور، وحجرة المومس، وجملة من الأماكن العامة: المتنزه، المقهى، البقالية.
وكما اختلط الزمن الحقيقي بالزمن العجائبي يختلط في قصص نجيب محفوظ المكان الحقيقي بالمكان العجائبي، ففي قصة (صاحب الصورة) من مجموعة (الحب فوق هضبة الهرم) تتكاتف أحياز مكانية ثلاثة: المدينة التي يقيم فيها شيخون، والقرية التي تنتقل إلى الزوجة، والمكان العجائبي الذي يجد شيخون فيه نفسه بين الاختفاء والعودة، وهو مكان غامض عجائبي.
لا تقوم بينة السرد في القصة القصيرة عند نجيب محفوظ على الفضاء الزمكاني فحسب، بل تكتمل باكتمال بنية العوامل الأخرى: الحدث بشرائحه، والشخصية وغير ذلك، لكن ضيق الفسحة المتاحة لهذه المقارنة يحول بيننا وبين تناول العوامل الأخرى.