شعرية قصيدة النَّثر في نص محمد الماغوط

د. رضوان القضماني قرأها 8
 

محمد الماغوط شاعر يكتب عن الحياة، ويحلم بها، إنها حياة يكتب عنها منذ وجد، بل منذ أن وجد الوجود، وهي حياة أغنى وأجملy7yyyyyyyyyyyysaeryse56t5syret.JPG وأفقر وأعمق من أن يشوهها التقسيم إلى ما هو روحي وإثني وطائفي وأخلاقي، وجسدي واجتماعي وسياسي وثقافي، حياة كل ثانية فيها فخ.

والواحد الموحد فيها هو الكون، الكون كله، وما فيه من خيبة وهزيمة، وحريق ورماد، وجمر دائم يجمع بينهما. والماغوط شاعر، الشعر عنده هو الذات ـ الكون. أي إنها ذات تشمل ما حولها، ما هو خارجها، ذات تشمل كل الحوادث والأحداث الخارجية، التي تستحيل إلى أجزاء  تتكون منها تلك الذات ـ الشاعر، ليعبر بها إلى الشعر، بعيداً، بطريقة غير مباشرة، بعد أن يخفيها خلف قناع ينجو بها، إنها ذات تتفاعل مع الداخلي والخارجي شرط أن يصيرا شعراً، شعراً لا يلتزم بالتزام، فكل التزام أمر مزعوم، بل نوع من الدعاية الحزبية أو العقائدية (الأيديولوجية)، إنها ذات تلتزم بالكتابة وحسب. وهو التزام يعني أن يحمل الشاعر هموم ذاته هذه التي تعني هموم عالمه أي محيطه ووطنه، اللذين يدخلان عينيه وروحه، يعشِّشان في أحشائه وخياله، إنها ذات تبدع نصوصاً تغني الوطن عندما يصبح رمزاً للحياة التي يُعتدى عليها دائماً، لا لسبب سوى أنها فرحة رغم ضعفها، وجميلة رغم فقرها، وحرة رغم كل ما يكرهه الأحرار، ورغم كل من يستبيح قتل الأبرياء ويستلذّ رائحة الدم، إنها الحمل أمام الذئاب. ربما تكون حَمَلاً غبياً أو محدوداً أو مغروراً أو عديم التربية، لكن الذئاب ليست أفضل منه. إنها نحن، أنا وأنت والماغوط، لسنا شياطين، ولا نتشيطن بل فرائس، من قبل ومن بعد، من كان ومن سيصير، ما دام مرتبطاً بحياة هي هذا الوطن. هذه هي الأمانة، وهي ذاتها خيانة، لأنها انتقال إلى جانب واحد حدّي، يؤدي إلى صراع حدي أيضاً، قبل أن يتوحد في نفي النفي.

إنها كتابة أكبر من أن تجعل موضوعها الحب أو الخوف أو الحلم، أو العزلة، الكفر أو الإيمان، الشقاء أو الجنس، الأمل أو اليأس. إن عالميها المتقابلين آخران: واحد متخلف وآخر متعطش للشعارات، يدمنها وهي تضحك عليه.

شعر محمد الماغوط طرب، لكنه طرب داخلي لا خارجي، يضع الرؤيا مقابل النظم، ولا يقبل أن تموت الرؤيا لتحيا القافية، وأن تموت التجربة ليستقيم الوزن، بل إنه شعر لا يعبأ بكل هذه التقابلات لأن تقابله الأول ألا يموت الداخل ليهرج الخارج.

وهو شعر لا يعاني عزلة، بل يسهم في إغناء أدب يفتقر إلى الصدق مع الذات، وإلى الجرأة في الغوص الحقيقي في التجربة الذاتية والإنسانية، كما يفتقر إلى الحرية. إنه إسهام في إبداع عربي وكوني لا يقل شأنا عن أي إنتاج راق معاصر آخر، شرط البحث بمصباح البحث المجرد الموضوعي بعيداً عن المواقف والمقولات السبقية التي تسقط على النص، وعن الخلفيات السياسية أو الأيديولوجية أو القومجية أو الدينية الأصولية والشخصية بما تشمله من دوافع كتابية.

محمد الماغوط ليس ابناً لأيديولوجيا، وكتابته تركز على الفرد والتجربة والحرية، حيث يتصالح فيها الملاك والشيطان بحثاً عن الخلاص، لأنها كتابة تنزع القدسية عن كل شيء.

فالقدسية عندها حالة ثبات، حالة أحادية تقابلها حالة حركة، حالة تعددية، تنسلخ عن الكهنوت وتتخلص من الطابع الشعائري والشعاراتي، ليكون الشعر فناً دنيوياً خالصاً. وهي كتابة تستخدم لغتها الذاتية، أي تلك اللغة القادرة على التعبير الذاتي عن حالة شعرية تنطلق عفوياً بعيداً عن الافتعال مهما حوت من ألفاظ متوترة متوحشة، فهي كتابة تستخدم لغة لا تريد لها أن تكتمل، لأنها حين تكتمل تدخل قبرها، كتابة ترى أن كل نص هو بداية لغة، لا بمعنى التجريب البارد المفتعل (أو التحديث) بل بمعنى الشعور الجديد الذي يقارب الكلام وكأنه أول الكلام.

وهي كتابة لا تستخدم اللفظة بمعناها التعييني، القاموسي، التفسيري. فهو معنى للتداول، ملقى في الصناديق والخزنات والبنوك إلى أن تبتذله الأيدي. هي كتابة ترى في اللغة شفافيتها وتواصليتها القائمة على تأويلاتها، لذا فهي تعبير شكلي تغلب عليه المعاناة والتمرد والرفض، تستمد منابعها من قوة اليأس والحاجة إلى التعبير الذاتي باللغة الذاتية.

وهي كتابة تؤسس لقصيدة النثر في بنية الشكل وبنية المحتوى، إنها بنية تبحث أولاً عن العناصر الشكلية التي تجعل الشعر شعراً بالفطرة، أي تحاول أن تحول الظواهر الكامنة خارج حقل الإبداع إلى واقع فني، وترى أن كل تركيب لغوي لا يمكن أن يعبر بذاته عن مشاعر الكاتب الشخصية إذا لم تقم بنيته على عوامل تنهض عليها بنية الخطاب في النص، بحيث تجعله منتمياً إلى جنس أدبي محدد، حين تمنحه (شعريته) ـ بالمفهوم الياكبسوني ـ ومن هذه العوامل مثلاً: عناصر الفانتازيا، أو المغالاة في السخرية، أو الزخرف المجازي، أو الانزياح الدلالي، أو الغموض الشعري، أو البنى التركيبية غير المعتادة، أو ما سماه رومان ياكسبون بالتوقع المخادع، أو السمات التي يضفيها الاستعمال الخاص لعلامات الترقيم أو الموقع في التركيب النحوي على بنية النص، إنها بنية شكلية تقوم على هدم واعٍ للتقاليد الأدبية، وإعادة بنائها على مستوى الخصائص الأسلوبية الفردية، وعلى مستوى الأنماط الأسلوبية في عصر مرتبط بزمان ومكان محددين.

وهي بنية شكلية تحاول أن تخلق موسيقاها، أي إيقاعها، بل إن مفهوم الموسيقا الشعرية أوسع بكثير من أن نقزمه بإيقاع أو تنغيم. الإيقاع تكرار دوري لعناصر متناوبة في النص تفصل بينها وقفات زمنية محددة، وليس من الضروري أن تكون هذه الوحدات عروضية تتشكل من بنية صوتية بحتة، لأنه مرتبط بمستويات النص المختلفة، فهو إيقاع نص، نجده في أي مستوى من مستويات البنية النصية، كالتناوب بين البوح والانفعال، أو بين السرد والوصف، بين توتر متن النص وارتخائه، بين الصورة الحسية والصورة الذهنية، بين بنية تركيبية اسمية وأخرى فعلية، إنها عناصر تخلق إيقاع قصيدة النثر الذي يتميز بإمكانية تحديده من خلال سمات محددة تقوم على التقابل والتناوب، أما تلك التي لا تكتسب تلك السمات فستبقي النثر نصاً نثرياً لا قصيدة شعرية.

وهي إيقاع يستبد التوقعي فيه بالمحسوس، أي إنه يقوم على أرضية تحس بها بنتيجة تميز جزء من جزء في الأجزاء المكونة لقصيدة النثر.

إنه إيقاع يمثل أهم أشكال حداثة قصيدة النثر.

إن البحث في بنية الشكل وبنية المحتوى في قصيدة النثر عموماً، وفي قصيدة محمد الماغوط خصوصاً، يتطلب البحث في أشكال السرد التي تكوّن مباني الشعر الحديث عموماً، وقصيدة النثر خصوصاً، لتحديد شعرية السرد.

وشعرية السرد في شعر محمد الماغوط تتطلب البحث في النزعة الحكائية والنزعة الدرامية، أي في البناء الحكائي والبناء الدرامي في قصيدة الماغوط، وتتطلب أيضاً البحث في المستويات المتعددة للقصيدة تركيبياً، أو إيقاعياً أو دلالياً، والانتقال من الغنائية في الشعر رؤية وموقفاً إلى الدرامية وما يترتب عليها من سرد يجافي المنحى الوصفي.

وهي بنية تتطلب بحثاً جدياً في العوامل التي تشكل القناع من رموز وأساطير واستخدام تسمياتي وتوظيف للشخصيات وتعيينات للمكان والزمان والتلفظات وأفعال السرد وأحداثه وترابطاتها.

إنها بنية ترهق النقد، إذ لا بد له من أن يقوم بدور جاد وملموس لجلاء خصوصيتها بعد أن يقوم بتعيين حدود الأجناس الأدبية بعيداً عن الدعوة إلى التداخلات بينها. وهو بحث تبرز أهميته من خصوصية هذه المرحلة التي تعد أخطر حقبة عرفتها الكتابة منذ عصر الجاهلية حتى لحظتنا الراهنة هذه.

النور