خَيار "ستايرون"

جمانة حدَّاد قرأها 6
  

09094u9ugfi8y75.JPG

"هل تتمتّع بالكتابة؟"

سؤال تقليدي طرحه في أحد الأيام صحافي شاب على الروائي الأميركي الكبير وليم ستايرون، في إطار حوار مطوّل معه نُشر قبل خمسين عاماً في مجلة "ذو باريس ريفيو" المهيبة، التي شارك في تأسيسها.

"طبعاً لا!"، ردّ ستايرون يومذاك بانفعال واستنكار شديدين. "لنواجه الحقيقة: الكتابة جحيم".

فعلاً، تصلح مقولة "الكتابة جحيم" لكي تكون عنواناً عريضاً لمسيرة ستايرون الروائية والحياتية التي أدركت محطتها الأخيرة الأسبوع الماضي،3859y7389594yh9vg7y45.JPG عندما قطفه الموت عن 81 عاماً في منزله في ماساتشوستس. فهذا الكاتب الشجاع الذي لطالما شرّع صدره برحابة للخناجر من كل نوع ولون، عيشاً وكتابة على السواء؛ هذا الموهوب المتمرّد الذي كان خير وارث لـ"جويس وفولكنر"، وأظهر إعجاباً لامتناهيا بـ"فلوبير" و"أناه الأخرى" - إيما بوفاري؛ هذا الملعون الذي استكشف في أعماله روح الشرّ في الإنسان، وآمن أن مشكلة البشر الرئيسية "ليست سوى الحياة"، على قوله، الحياة بجنونها وتناقضاتها وضرباتها وأوجاعها ومآزقها، والذي لطالما ردّد ان الكتاب الجيّد هو "ذاك الذي يتركك منهكاً عند نهايته، لأنه يجعلك تعيش حيوات كثيرة في آن واحد"؛ هذا العملاق المنتمي الى سلالة ذاهبة الى انقراض في الأدب الأميركي، شكّل أفضل مثال للتناغم بين الكاتب والرجل، فعرف حياة صعبة غزيرة الوهاد، مع أنه علّق على باب بيته "حكمة" لفلوبير يدعو فيها كل أديب الى عيش حياة "بورجوزاية منظمة هانئة"، لكي يتمكن من ان يكون أشد شراسة وفساداً وفوضوية في كتابته.

رغم شهرة ستايرون المبكرة، منذ روايته الأولى "التمدد في العتمة" التي صدرت وهو لما يتجاوز السادسة والعشرين، ورغم موهبته الأكيدة التي لم ينفك يثبتها عملاً وراء عمل، كانت كتبه لا تني تثير لدى صدورها جدالات حادة بين معسكري الـ"مع" والـ"ضّد"، وكانت غالبية النقّاد الأميركيين تفترسه افتراساً في مراجعات ومقالات، وهو الذي أكّد عند كل فرصة سانحة أن على الكاتب أن يتجاهل الناقد، وان يولي القارىء اهتمامه فحسب، ولكن من دون ان يعني ذلك قبوله بتسويات ومساومات. هكذا أُلصقتْ نعوت مهينة كثيرة بستايرون على مرّ الأعوام والإصدارات: عدوّ السود، عدوّ اليهود، عدوّ النسوية، عدوّ المسيحيين، عدوّ الأميركيين، عدوّ الألمان، وهلمّ: اللائحة أطول من ان ترد بكاملها هنا. لكن فات نقّاده الأشاوس هؤلاء، النعتُ الأكثر اقتراباً من حقيقته: فقد كان ستايرون في الدرجة الأولى وبامتياز، على غرار كل عبقري أصيل، عدوّ نفسه.

بمعزل عن الثقل الإنساني في روايات ستايرون، وثورتها ضد ديكتاتورية المحرّمات والممنوعات والتسويات والرقابات والذوق السليم، وكل ما هوgw34454w3hy6hysdtfgt.JPG "لائق سياسيا" حتى ليغدو من فرط لياقته بلا مذاق، فإن تقنية السرد تتمتع في معظمها بمقومات خاصة، اذ انها تفتقر الى خط زمني ومكاني قابل للرصد، كما لو ان الكاتب اراد بإرباكه حدود الزمان والمكان ان يحرّر رواياته من السجن الضيق للتجربة الواحدة، لكي يُكسبها بعداً شمولياً تدرك بواسطته حاضر القارىء أينما كان ولأيّ واقع انتمى، منقّبا ًبذلك في إمكانات الرواية واحتمالاتها المختلفة، ناقلاً بواسطة تناقضات شخصياته كل التناقضات الكامنة في اللغة نفسها. وتتضح هذه التقنية أكثر ما تتضح في تحفته "خيار صوفي"، التي ذهبت بعيداً في جرأتها المسننة واقتحامها الشجاع للتابوهات، ورسّختْ شهرته في العالم أجمع، وخصوصاً بعد الفيلم المقتبس منها والذي أدّت فيه دور "صوفي"، البولونية الكاثوليكية الناجية من أوشفيتز، الممثلة الرائعة ميريل ستريب، ودور حبيبها اليهودي ناثان، الممثل كيفن كلاين.

ينبعث من كتابة ستايرون نفوذٌ فريد من نوعه، هو الذي لم يتوان عن التوغل في موضوعات أخلاقة وتاريخية دقيقة. كان التاريخ سلاحاً في غاية القوة بين يديه، وقد وظَّف في أدبه، حياتَه واهتماماته وثقافته وولعه بالتاريخ، الجماعي والفردي على السواء. بل ليس من المبالغة القول ان التاريخ شكّل أبرز تيماته، وأعني تاريخ بلاده وتاريخ شعبه وافراده ومسقطه، رغم أنه كان يرفض بحدة تصنيفه ضمن فئة كتّاب الجنوب الأميركي. من "التمدد في العتمة" الى "أحرقوا هذا البيت"، من "اعترافات نات تيرنر" (بوليتزر الرواية عام 1968) الى "خيار صوفي" وسواها، شكّل التاريخ عموداً فقرياً لشخصياته وحبكاته الروائية، واختلط الخاص بالعام، فصار الأول ذريعة للكلام على الثاني، والثاني أداة لسرد الأول. وكان غالباً ما ينتشل شخصياته من أحداث واقعية، ثم يعجنها على طريقته بالتوثيق والتخييل معاً.

في الثمانينات، وتحديدا عام 1985، غاص ستايرون الستينيّ في رمال الاكتئاب المتحركة وأُدخل المصحّ مراراً للعلاج، هو الذي كان فقد والدته في سنّ الثالثة عشرة، فطبعته هذه الخسارة طوال حياته. ووضع كتاباً مذهلاً عن تجربة الاكتئاب هذه، وصف فيها أحوال الوقوع في الهاوية والخروج منها، عنوانه "العتمة مرئيةً" (صدر في الفرنسية تحت عنوان "في مواجهة العتمة").

مع رحيل وليم ستايرون، أحد أجمل فرسان "الخروج على القانون" في الأدب والحياة، لا بد من أن نطرح، وإن للمرة الألف، السؤال الآتي:

هل ينبغي للكتابة أن تكون "فأسا" كما يصفها كافكا، أم "واحة سلام" كما يسميها بيرانديللو؟

هل هي لتصدم أم لتداري؟

لتزعج أم لتواسي؟

الجواب سيظل يشرق دائماً من جهة ملاك العصيان الأكبر رامبو: "ما الحياة، إن لم تكن للإفساد؟".

ذلك كان حتماً "خيار" ستايرون.

وهو خيارنا أيضاً.

gfmhjgfliuyu867545fd.JPG