|
تصرخ أبداً للحرية
منصور الرحباني هو انتماؤنا الى ذاتنا الانسانية وتجذّرنا في ارضنا الطيبة ورسوخنا في هويتنا الحضارية. منصور الرحباني حاضر أبداً بيننا، نغماً وعبقرية ووطنية، فلا الموت ينسينا اياه ولا الرحيل يبعدنا عنه. لم تكن نظرته إلا أبعاداً واسعة المرامي تستقر في الوجدان، بها يستنهض الهمم، يحثها على التمرد واختراق الرتابة. عاش منصور لبنان في ذاته، لبنان الصامد الذي لا ينكسر بل يكسر من، بحقد وظلم، يجرؤ على النيل من عزيمته وابتغاء هزيمته، لبنان المنتصر دائماً لأنه مشروع حضاري انساني بامتياز. حين تبحر معه في انجازاته الخالدة، التي هي من شعر ولحن، من مسرح ونبض، من رؤى ورايات، لا تنس انه ليس واحداً، بل هو اقنوم احدٌ لطبيعتين اتحدتا معاً لتكوّنا شخصية واحدة: "الاخوين الرحباني"، اعني هوية لبنان المتمايزة، حدها حد الحق، وحدودها آفاق اللامحدود، وهي "من تحت هالأرزة... لآخر الدني!" صورة نقية ووهاجة عمقاً وتألقاً. في الوطن كان هو الاقرب الى انسانه الأحب. وفي المنفى كان هو الاقرب الى رجاء انسانه المتأهب للعودة بعناد وتصميم، اذ كان لا بد من العودة مهما تأخر وصول الربان بالسفينة ليوقف هروب الشطآن المرمية بالغربة. هكذا اراد منصور الرحباني الذي عرفته، ان يبقى موسوماً بدفع المدى الفرح. فرحاً يحمل للناس، ويمضي يفتش عن مظلوم بعد مظلوم ليحمل لارادته المعنى الحقيقي للوجود: أن تكون يعني أن تثور، ان تواجه المفروض المرفوض، وان تبذل نفسك في سبيل قيامة وطنك وشعبك. منصور أنت الغمر الدائم القامة، أنت الجموح بحقيقة القيامة... بل أقول انك استحقاق النعمة للبنان. قال منصور انه "منبسط اليدين","حب مصلوب عن كل الشعوب". وأنا، "اليوم" في وداعه الأخير، أقول له: "هون رح نبقى"، نعاند، نتّحد بترابنا، نتموضع بمحيطنا ونتفاعل بمعجن رسالتنا. وتبقى انت، يا عزيزنا الخالد، طائر الفينيق الذي هو مربضنا الدائم فوق قمم البطولة، تصرخ أبداً: حرية! حرية! حرية!.
العماد ميشال عون
إنه الحلم
حجب وجه الأخوين عاصي ومنصور الرحباني عفن التاريخ في لبنان. وكان لبنان، الواقع اسيراً له، يمتد وجهه المدمى والمجروح، من الذين قرروا ان يلقوا به على قارعة الوجود، فجاءت مسرحياتهما بالموسيقى والشعر، لتأخذنا الى مطارح البهاء، حيث يستمد الذهب الخالص، ويذاب على مساحة الجغرافيا اللبنانية والعربية، فنألف الحلم منطلقاً للتغيير، ونذوق الرجاء بدء قيامة. تساءلت مراراً، وتساءل كثيرون، كيف لرجلين ولدا في بيئة فقيرة، من اب يملك مقهى صغيراً، وقد عملا شرطيين عاديين في بلدية انطلياس، ان يبلغا مساحة الضياء، ويرتويا من الينابيع الموسيقية الصافية، ومن التراث اللبناني – العربي، ويرمما عمارة النهضة اللبنانية، بدءاً من الخمسينات الى الستينات الى السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، حتى انفرد منصور وحيداً في التنقيب عن الحرية المكنونة في التراثين الاغريقي والعربي، ليمتد مطلاً على اشواقنا وعلى حلم نهضتنا في ازمنة الجفاف والقحط؟ وبعد حقبة طويلة من هذا التساؤل، اتاني الجواب من منصور نفسه، اذ قال لي، انه الحلم. والحلم يعني الرؤيا والكشف، وقد تعلمت غير مرة، ان لا وجود لاي خلق بشري او ابداع اذا لم يكن الحلم والكشف اساسه وبدءه. وفي لغة اخرى ليس للكاتب والشاعر والاديب والفنان والموسيقي ان يكتب او يؤلف او يلحن او ينظم اذا لم تولد المكونات من علّ، من اساس سر الرؤيا. فيصح القول، اننا نستكتب ولا يكتب اللحم والدم فينا شيئاً، اذ ما هو تراب يفنى في التراب. كيف لا يكون هذا قائماً عند منصور، الذي ارتوى من التراث المشرقي بهاءه، ففاضت في داخله جداول وينابيع، اخذته الى الشعر والموسيقى، فكان يغالب العمر والازمنة بالرؤيا عينها، ويصر على نسيان الزمن، والاختباء من عبوديته، حتى تنشد فيروز من كلماته وعاصي: "تعا تا نتخبا من درب الاعمار سألونا وين كنتو ليس ما كبرتوا انتوا ويللي نادى الناس تا يكبروا الناس
اذا هني كبروا ونحنا بقينا زغار من إلون نسينا راح ونسي ينادينا". وقد ذاق منصور الرحباني، ان نسيان الزمن يعني بخلفية اخرى نسيان الموت. فالاطفال وحدهم يغالبون كل موت في التاريخ ببراءتهم. والمسرح الرحباني التمس سر الغلبة من الطفولة، وكشفها على المسرح بالحقيقة المسيحانية التي لا يرقى اليها شك. فالطفولة في السر المسيحاني، هي بداءة البدء. وليس من انفصال بينها وبين الفلسفة واللاهوت. غير ان منصور نحا بكل هذا الكشف الى فجر الحرية، المؤسسة على الشهادة في مسرحية صيف 840، في قوله "يا بتوصل على الموت يا بتوصل عالحرية". فقد فهم ان ليس من التقاء بين الموت والحرية، فهما تأسسا على عداوة كريهة، بعد ان ابادت شهادة الناصري عبأه ونتانته. فكان من هذه الزاوية يقرأ مع عاصي سر التاريخ اللبناني، الاسير للقوى الخارجية، واسير المصالح الداخلية والعقلية المركنتيلية، فجسد مع اخيه الصورة الواقعية لهذا الاسر المطلق، في بعض مسرحياتهما "كالشخص" و"يعيش يعيش"، فتجلت الواقعية تمتمة لنبوة مفادها الخوف من بقاء لبنان اسير اللاعبين واسير العقلية هذه، فلا الحاكم لصيق بالوطن، ولا الشعب مكوّن له، بل هو شعوب مكونة لزعماء يسودون، وكأنهم آلهة خالدة. غير ان تجسيد الواقعية النبوية كان اساساً متيناً لسطوع جمال الحلم في سبيل الحرية، التي تستوجب الشهادة مع "غربة" و"مدلج" في "جبال الصوان"، و"فخر الدين". وظل منصور يغالب الزمن بالحلم، يحطم اصنام الواقع، في التنقيب عن سقراط الذي مات شهيداً متناولاً السم، وظل اب الفلسفة، التي اساسها معرفة الذات، والمتنبي في شهامة شعره، ورؤيته الكاملة، وزنوبيا كرمز للمرأة العربية المقاومة، الرافضة كل ذل واستعباد. وكأني بمنصور يقول بأن من لا يعود الى تراثه يفقد حاضره ومستقبله وحصانته بوجه المستعمرين. لقد لامس منصور الرحباني مع عاصي، ذاتياتنا المتنوعة، المتلاقية حيناً والمتباعدة حيناً آخر. والملامسة جاءت من فهم للبنان اخضر الجسد ابيض الوجه، ينبع جماله من فرادته، وكأن الفرادة الذاتية كتابة فردوسية، اخذها الاخوان رحباني الى المسرح بتجسيد كامل. وهما حملا قضية شعب "مشلوح على بحور التعب" والآلام والجراح، في مواجهة الحكام والطبقة السياسية. وفي كل هذا لفظ منصور ظلم الجبابرة المقنّع والمزيّف، وقد ادى هذا الظلم في محطة تاريخية الى فقداننا فلسطين وبقي "الطفل في المغارة وامه مريم وجهان يبكيان". هذا هو عمق الصليب، صليب الشرق العربي، والوجهان يبكيان. أليست المفارقة ان يغادر منصور هذا العالم واطفال غزة يذبحون، والاحياء في القدس العتيقة تشوّه معالمها التوحيدية بشطب المسيحيين العرب من خطوطها ومفرداتها؟ والمأساة ان يرحل منصور، ويأخذ برحيله حلماً لبنانياً عربياً وجودياً يحرّك الجماهير، من باب التلاقي المطلق بين الحق والخير والجمال. كان منصور في قصائده ومسرحه يبحث عن الحق في الجمال، ويرى الخير في كليهما، في اندماج كلي بين الاصالة والحداثة، من دون ان تفرّط الحداثة عنده بأصالة تراثنا مسرحاً وشعراً ولحناً، ومن دون ان تتجمد الاصالة في اصولية مطلقة تبعدها عن محاكاة الاجيال وتطوّر الزمن. فالجمال، على الرغم من بعض فرادته، واحد وهو لا يتجزأ في كل الفنون من مسرح وموسيقى وغناء وشعر. انه ممدود الى كل الاجيال، وغير معصوم عن الحياة. بل هو لبها. والحق سطوع له كما قال افلاطون مرة. وبهذا الجمال الاصيل المستمد وجهه من اصالة تراثنا المسيحي والاسلامي استطاع منصور ان يحاكي كل الاجيال، ويخلد بهذه المحاكاة المبدعة والخلاقة في ذاكرة لبنان والمشرق العربي بعيداً من كل معطوبية سياسية او جسدية ذاتية. في ازمنة القحط الفني والموسيقي يغيب منصور، بعد ان تغلّب التفلّت على الجمال والحرية، وتسلع الانسان وصار عبداً لحركة الفلسفة التسليعية. لقد خط جيل الرحابنة كلمات الجمال والحق في دنيانا وتبقى هذه الكلمات رحم الولادات المضيئة في هذه الازمنة، حتى ينبلج الضياء في سر الطفولة التي لا تنتهي، وهو سر الحرية المطلق، ويظل منصور ذلك الوجه الاقوى من الازمنة، يمسك بها ويختطفها الى سر الوجود الكامن في ابدية الله المنسابة جمالاً مطلقاً وكلمات حية في قلب التاريخ ومدى الانسانية.
جورج عبيد
ناصراً لفلسطين وراجعاً الى القدس
منصور الرحباني يا اغنية الوطن ونشيده. يا توأم عاصي في الموسيقى. يا شقيق الياس في الشعر. ايها الناثر كلماتك على مساحة وجودنا. ايها الكبير الذي كشف في فنه صغائر من قالوا انهم زعماء، فعّريت "ملوك الطوائف"، واسترجعت فخر الدين وطنياً، وتوغلت في التاريخ، فكانت زنوبيا ملكة تدمر، وتحدثت عن صيف 1840، لتؤكدانه غير صيف 2006، الذي فيه انهزم الجيش الاسرائيلي على يد المقاومة. كنت يا منصور من اسرة انسانية وعائلة فنية، ناصرت فلسطين واننا راجعون اليها، فانتصرتم لقضيتها، مذكرين بالقدس زهرة المدائن، فأضحيت مع شقيقيك عاصي والياس، مدرسة فنية ملتزمة قضايا الوطن والانسان، فتحولت قصائدكم المغناة، فناً وطنياً مقاوماً تغييرياً، فلم يكن فنكم من اجل الفن، بل من اجل قضية، فكانت اغنياتكم الصباحية، زوادة الأب، ورفيقة الأم، ولحن الاطفال والاولاد، فانطربنا فيها، فناً مشرقياً أصيلاً، كان لبنان والشام وفلسطين والاردن والعراق فيه. لقد غبت يا منصور، ايها الفنان العظيم، والى جوار عاصي ستكون، ولكن الفينيق دائماً مستفيق.
الدكتور ميلاد السبعلي رئيس جمعية "لبنان الموحّد"
عاصي الرحباني يموت مرتين
مات عاصي الرحباني، مرة اولى، في الحادي والعشرين من حزيران 1986.. ومات، مرة ثانية، يوم مات منصور الرحباني في الثالث عشر من كانون الثاني 2009... كان منصور الرحباني يرد جواباً الى من كان يسأله كيف تكتب وتلحن في غياب عاصي، فيقول: "عاصي لم يغب عني لحظة.. فأنا ما كتبت، يوما، كلمة ولا وضعت لحناً او مسرحية الا كان أخي عاصي معي.. أنا وعاصي اثنان في واحد: عشنا معا، وعملنا معا، وسنموت معاً، ومعاً سنسكن مع "ساكن العالي..."
...
عندما نقول عاصي الرحباني نقول منصور الرحباني، وعندما نقول منصور الرحباني نقول عاصي الرحباني، وعندما نقول الاخوين رحباني نقول فيروز... عاصي ومنصور وفيروز ثالوث فني متفرد ما اتت بمثله الاوائل، وبمثله لن تأتي الاواخر...
...
عاصي ومنصور الرحباني اخوان هما، في الشعر والموسيقى والمسرح، معجزة نادرة... في الخمسينات من القرن الماضي، عندما سطع نجم الاخوين رحباني، كانت محطة الشرق الادنى للاذاعة العربية، اذ تقدم اغنية "فيروزية، تقول: "هذه فيروز تغني؟. من تأليف وتلحين "الاخوين رحباني..." والآن، يغيب التأليف والتلحين الرحبانيان ويبقى الصوت الرائع، تبقى فيروز – مد الله عمرها – حاملة بصمات الفنانين العظيمين الاخوين عاصي ومنصور...
• • •
اذ يموت، اليوم، ثاني "الاخوين رحباني": تقع نجمة هي كبرى نجوم السماء، وتيبس ارزة هيهات ان يطلع بديل منها، وتهتز "القرنة السوداء"، ويعرو الفن خدر، وتلبس الاغنية الوطنية اللبنانية، خاصة، والعربية، عامة،... تلبس الحداد الى اجل غير مسمى...
• • •
واذ يغيب "الاخوان رحباني" معا: يأكل الغبار "بزق" عاصي، ويكف قلم منصور عن الصرير، وتبدو فيروز واقفة – هكذا يخيل الي – في صحراء لا واحة فيها، وفي ليل غاب قمره، وعلى مسرح تقطعت اوصال خشبته...
• • •
رحل الكبيران عاصي ومنصور الرحباني وقد تركا بحراً زاخراً بالفن الفوقي الرائع الذي ستنهل منه الاجيال حتى انقضاء الازمنة وزوال الامكنة... وبغياب "الاخوين رحباني" تموت، من غير قيامة، الرؤية والرؤيا اللتان عاشتا – طوال اكثر من نصف قرن- في عقل الاخوين وقلبهما فولدتا الجمال والحقيقة والحرية والفرح والحب والسلام في الوطن والارض والانسان... يغيب، اليوم الى الأبد، الرحبانيان الكبيران قطب الفن الخالد... وفنهما، هذا، لن يغيب ابدا... قدر المبدعين الخلاقين هو ان يعيشوا للعطاء رسلا... ثم يموتون من غير ان يعطيهم احد شيئا...
• • •
يبقى ان ملوك الفن الرحباني الثلاثة، عاصي ومنصور وفيروز: فنهم باق في ذاكرة لبنان والتاريخ... وان اعظم تكريم للغائبين الكبيرين هو اظهار فنهما، كل يوم، في وسيلتي الاعلام المرئية والمسموعة، وفي ساحة قصر الرئاسة الاولى والثانية، وفي السرايا الكبير، وفي ساحة كل مجلس بلدي، وفي ساحات القرى والمدائن، ولا سيما في المؤسسات التربوية حيث يتعرف شبابنا الحضارة الفيروزو – رحبانية التي لا تماثلها حضارة...
ايلي معوشي
الى ديار الخلود غادرنا منصور
الى ديار الخلود غادرنا منصور للالتحاق بأخيه عاصي. عملاقان من عندنا هويا بعد عمر زاخر بالعطاء الفني والمسرحي. كتبا ولحنا معا ما يقارب العشرين مسرحية قدمت على المسارح المحلية والعربية، ومنها: "جسر القمر"، "هالة والملك"، "جبال الصوان"، "ميس الريم"، "بترا..." بعد رحيل عاصي كانت لمنصور محطات غنائية ومسرحية رائدة. اكمل المشوار، من دون سفيرتنا الى النجوم فيروز، وغاص في دنيا المسرح. فكتب مسرحيات لامس ابطالها الكواكب وهم يؤدونها على خشبات مسارح بيروت وجبيل وجونيه ودبي، ومنها: "آخر ايام سقراط"، "المتنبي"، "ملوك الطوائف"، "جبران خليل جبران"، "عودة الفينيق". وهذه الاخيرة تعرض حالياً فوق خشبة مسرح كازينو لبنان. من مهرجانات بعلبك انطلق منصور بضحكاته واسكتشاته وغمزاته من قنوات المسؤولين المقصرين في حق الوطن. ومن عمق التاريخ استعاد شخصيات، وأعادها الى المسرح تغني وترقص وتروي قصصا واساطير كادت تكون في عالم النسيان. ومن الخوابي المعتقة غرف الاغاني والمواضيع. فازدادت عنده المواهب، وتنوعت العروض، وتمايلت الايقاعات، وكثر الكلام المغري. فكان ابطاله والممثلون الثانويون، على المسارح، يقدمون الصورة النابضة بالحياة، والمشعة باحلام منصور لاستيعاب الجمهور. هذا الطود الشامخ في عالم المسرح الغنائي حمل المشعل الرحباني بكل امانة. وكي يبقيه ساطع الانوار على مدى الايام امتشق اليراع، وقال الشعر الحر والزجلي، ثم جمعه في دواوين. في البدايات تأثر عاصي ومنصور بأمير الطرب محمد عبد الوهاب وسيد درويش، ثم راحا يكتبان النوتات الموسيقية ويؤلفان الاغاني بلغة خاصة بهما. وكانت مسيرتهما الفنية ملكهما، لتصبح في ما بعد ملك التاريخ الفني. أمس انكسر يراع منصور على مذبح المسرح، لكن الفاظه وجمله وتعابيره هي الابقى على مدى الازمنة، وابناؤه مروان وغدي واسامة، الغارفون من بحره الواسع، سيكملون المسيرة بحب واندفاع ومن دون تردد.
ابرهيم عبده الخوري
منصور!
اقلام كثيرة سوف تذرف عليك الابجدية، اما أنا، فسوف اكتب لك الكلمة. محابر كثيرة سوف تلطخ الاوراق حبراً وأحرفاً، اما انا، فلسوف أنهال عليك بكلمة. دموع كثيرة سوف تنهمر لغيابك، اما انا، فلن أبكي! وتنهد، وحزن وشوق مسبق محمّل برحيق النحل... وطريق النحل، حلم ولحن واوقات باكيات، ساعات تمسح الدقائق عن عينيها براحة اللحظات الخجلات، في زمن قلّ فيه الخجل والحياء. منصور الرحباني، وحين تحضر العمالقة، تتقزّم الازمات، ويضيق الشرق في رجل، ويتسع القلب لجبين اعرض واوسع وأنقى من ندى الصباحات. يا ليتني استطيع ان اكتبها بلا احرف، ولا ابجدية... ولكن شاء صاحب المشيئة، ان تكون الكلمة – "الذي منذ البدء" – الوسيلة الوحيدة للتواصل. منصور الرحباني، أنت منصور أما نحن... فمهزومون!
ملحم الرياشي
وداعاً
وداعاً أيها الكبير العملاق، وهل آخرة العمالة التراب؟ إذاً فليتمجد هذا التراب باحتضانه هذه القامة العالية. منصور الرحباني لقد اعطيتنا في حياتك الكثير، اعطيتنا واغدقت، تركت لنا ارثاً لا يندثر من زمن عاصي ومنصور حتى اليوم. لكن بذهابك لن تنتهي اسطورة الرحابنة، ستبقى ما بقي الزمن وبقي لبنان.(منكمل باللي بقيو) بأولادك اسامة ومروان وغدي. بـالياس وزياد وغسان وجاد. وبكل من انتمى الى عائلة الرحابنة. لطالما فخرت بلبنان انه وطنك ايها الفنان العظيم، ولكن لا تنس ان لبنان ايضاً يفخر بك انك من ابنائه. ذهبت في هذا الوقت الصعب الذي نعيشه، والغريب انك كنت في الكثير من مسرحياتك ومقابلاتك تستشرف هذه الاحداث وكأنك تعيشها اليوم. وبما اننا كلنا سنرحل يوماً عن هذه الحياة، أقول لك الى ان نلتقي وداعاً منصور الرحباني.
نوال البرازي
|