رحل الأخوان الرحباني وبقيت أعمالهما الفنية منارة عربية على مَرِّ الزمان
رحل الأخوان الرحباني وبقيت أعمالهما الفنية منارة عربية على مَرِّ الزمان
عفراء ميهوب
عاصي ومنصور من أعلام المسرح الموسيقي العربي اللبناني منذ عقود، عملا كفريق في نهاية الخمسينات من القرن الماضي وألفا معاً عدداً لا يحصى من الأغاني والألحان التي أوصلتها فيروز إلى أصقاع العالم.
رحل عاصي فحمل منصور الأمانة الصعبة على عاتقه، لكنه غادرنا بالأمس وبقيت الأمانة «لا فن بدون أخلاق ولا أخلاق من غير فن».. حزننا على رحيل فنان بمقام منصور لا يختلف كثيراً عن الحزن عن موت الأطفال في الحرب، لأنه قد يكون بينهم فنانون ومبدعون عظماء يسجلون فتحاً للتاريخ العربي المعاصر لو أنهم ظلوا على قيد الحياة وتابعوا بناء حضارة عريقة تخرج من بين الرماد العربي كطائر العنقاء.
لقد كانت عودة الفينيق جديد منصور وآخر أعماله تؤكد على إيمانه بقيامة الشعب العربي من رماده ليحيا حياة العزة والكرامة.. لعلها بشارة الخير للعرب وفأل طيب للرجل الكريم المعطاء منصور، وهو مع أخيه من حمل إلينا بشارة الانتفاضة وتنبأ بأطفال الحجارة ـ يوم كتبوا «يأتي من خلف الأشجار طفل في سن العشرين يحتفل اليوم بميلاده/ عيده برشاش/ فمضى يتصد ويصيد بأرض أبيه وأجداده.
أغمض منصور عينيه على واقع عربي بائس شقي، ووفر عليه متابعة الانقسام العربي واختلافهم حول المقاومة التي قضى في سبيل تعزيزها ومناعتها بكل السبل المتاحة للفن، فكانت رسائل البهية مع الصوت الشجي فيروز تصل أسماع العالم، لقد أسمع الرحابنة بقولهم وموسيقاهم من بهم صمم وطارت أشعارهم كالحمائم والنور تبدد الوحشة وتحيي الأمل.
مثل الينبوع الذي يتدفق في السهل والصخر والجبل يسقي العطاش ويجلو الصدأ العالق في النفوس التعبة، تعرج ماؤه على الزهر والحجر ويغسل وجوه الأطفال والشجر، لقد كان عمر الفن الذي قدمه الأخوان في رحلتهما الفنية الخالدة بعمر الزمان وتزيد باتجاه المستقبل فكانوا الفاتحة الفنية النبيلة في كتاب العرب الحديث الذي ينبت الجذور العربية الأصيلة في أغان ظليلة.
لقد بنى الأخوان مسرحاً غنائياً يحفل بالعطاء والابداع المرتبط بالأرض والانسان، والقمح والزمان وعملا بجد وكد حتى أفرعت الجذور، وحلقت في السماء غيوماً ماطرة تحاكي الانسان.
وترقى بفكره وسلوكه، وتعزف على أوتار قلبه، إن وحدة الأخوين في إحياء المشاركة رمزُ يدعو لوحدة الصف العربي.. إذ كان كل منهما يسأل: عما كتبه يقول كلاهما... لا ندري من الذي كتب تلك الأبيات والأغنيات والأشعار فقد يكتب أحدهما شطراً ويكمله الآخر حتى ليبدو أن عاصي المبتدأ ومنصور الخبر.. هكذا اندغما في وحدة أخوية فنية إبداعية وكانت كلمة «الأخوين» أصدق تعبير عن الكلمة الطيبة واللحن الشجي، وعمارة الفن الأصيل..
التي ظللت جميع العاملين فيها صغيراً وكبيراً «الأدوار» حتى الصوت الأجش للفنان «انطوان كرباج» أصبح علامة فارقة في استذكار ابداعات الرحابنة، وهذا يؤشر على أن جميع الأشياء ـ مادية ومعنوية ـ كانت تتحول على أيدي الرحابنة ـ معنى ومبنى ـ إلى حالة جمالية أخلاقية فيحمل المشاهد، والمستمع على المعرفة والتفكير وقبول الفرح والتعامل مع الحزن المتعدد والألوان ـ حتى ليبدو كل صوت في مكانه على المسرح، له قيمته من خلال المشاركة الصحيحة في الدور ـ لم يبلغ أي عمل عربي جماعي قيمته المثلى ـ كما حقق مسرح الرحابنة.
تنوعت أعمال منصور بعد أخيه، وظل طريق الفني باتجاه الهدف الأسمى للفن ورسالته والتزامه فكانت مسرحية صيف، ملوك الطوائف، المتنبي، حكم الرعيان، سقراط، زنوبيا، وأخيراً عودة الفينيق خاتمة أعمال الراحل منصور.
عاصي ومنصور، رمز من رموز الفن الخالدة طلعا من لبنان فكانا موضع اعتزاز وطني عربي إنساني، نأمل أن يجود الزمن العربي بأمثالهما، مصداقية وعروبة وإبداعاً.
من لبنان الجميل كان الصوت الرحباني (غناء وكتابة وموسيقا) كما يجب أن يكون الصوت الفطري الصافي السوي الذي أودعه الله سراً في خلقه فأصغى إليه الضمير والوجدان العربي لأنه يحفل بالمصداقية والأمانة وشرف العطاء الفردي والجماعي، أعطى للعرب والانسانية ثقافة فنية لو عدنا إلى تفاصيلها لوجدنا تطابق الشكل مع المضمون، واستخدام الوسيلة النبيلة لتقديم المعرفة تفصيلاً وتوضيحاً لأغلبية مظاهر الحياة حتى غدا مسرحهم من أكثر المراجع المعاصرة صدقاً وإيماناً واستباقاً للقادم من السنين.
الرحابنة يحترمون العقل ويقدرون المشاعر ويطالبون بالعدل ويصلون للسلام والوئام، عملوا على تقويم المعارف الحياتية والفنية والمعيشية.
ونظراً لكل ما سبق فنحن نحترمهم ونعتز بهم ونقدر المشاعر الوفية الحزينة على رحيلهم إلى عالم الحق والنور وحيث يتحقق العدل والسلام..
"تشرين" السورية