سنرجع يوماً الى الحق والحرية

المطران خضر قرأها 1,377

 سنرجع يوماً الى الحق والحرية

المطران خضر: سنرجع يوماً الى الحق والحرية
ستزول جاهليةالعرب وكذا اشتهيت مع عاصي

المطران جورج خضر

"أعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا" يوحنا(31:6)

يقف الآن منصور الرحباني عند باب الملكوت حافياً عارياً فقيراً الى الرحمة ليجرده ربه من التراب ويسربله الحلة الذهبية. ما سافرت وحدك ملكاً. أمام الغنى الالهي بت ذاهلاً ذاهباً عن كل ما صنعت في دنياك لان الجمال الالهي هو وحده الذي يستساغ النطق به. انت قلت أنا الغريب الآخر.

لا تنس ان المسيح يقال له في عباداتنا غريباً، ولكن أباه رفعه وأعطاه اسما فوق كل اسم الآن ادعية المودعين اياك ترفعك الى جوار الرب ليستمتع بك وتتعزى انت بألفته.

ليس المقام هنا مقام الدعوة الى الرحبانية هذا شأن النقاد الذين لست انا منهم. ولكن الرحبانية لن تذوقها الا موضعاً من مواضع سيادة الله والطاعة له ورفضاً للظلم والعبودية وهذا الرفض يتجلى في كل العطاء الرحباني وبدقة رأى ذلك هذا المسجّى في "صباح الالف الثالث". انك ستكتشف يا منصور بعد اجتيازك عتبات الملكوت ان الأنبياء القدماء الذين كان لك مشكلة معهم انما سبقوا كل ثوريي التاريخ في الوقوف ضد الطغيان والتسلط.

انت تجيء من الشرق القديم اذ نهلت منه ما سكبه فيه الانجيل وتجيء من لغة العرب التي يطيب فيها الاستلذاذ كما تجيء من لبنان، من اعماق لبنان واخذت مع شقيقك من اوروبا ما اخذت وقدمتما هذا لأهلنا على طبق من ذهب اعطانا فرحاً كبيراً.

انك في هذا تلقيت طراوة يسوع الناصري ورقة القديسين. هذه الطراوة الكامنة في كثير من النتاج الرحباني بدت لمن يعرف ان يسمع وسمعك العرب جميعاً.

مرة كنت أتمشى في شوارع فاس تمشياً طويلاً وكنت أسمع من كل محالها صوت فيروز واستغربت الأمر للوهلة الأولى لحسباني ان المغاربة يتذوقون ما كان أقدم الا ان الصوت الفيروزي غزاهم. الصوت الرخيم وجه من وجوه الحضور العربي القائم على السلام.

في المشاركة الفنية التي عشتَها رفضتَ ان تبين إسهامك الشخصي ما يعني لي ان المجد الباطل لم يغرك. كانت الموسيقى مع المسرح سعيا شئته الى الحقيقة وقد تعلمت من اليونان ان ما يسمى الجمال لا يقوم الا بالخير والحق. وليس من فكر خارج هذا الثالوث ومن لعب في غير هذا الميدان قد يبدو ساحراً ولكنه ساحر إبليسي. لقد أريق سكيب النعمة عليك لتقدم للناس ما قدمته النعمة لك حتى تصبح مع ذائقي الفن ذبيحة يتقبلها الله.

ومع اختفائك يستطيع العارفون ان يخترقوك من نواح كثيرة، ولا سيما من خلال الشعر الفصيح، الذي انسال منك.

أظن ان كل تجربة منصور في ما قاله: أرسلت لأشهد للضعفاء.

هؤلاء سماهم الناصري أخوته الصغار. كان حق سقراطك في الكلام انه كان فقيرا. والفقير اذا تصاعد الى الله حبا يكسب مجدا من فقره ويسود العالمين. "ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه".

سوف يصطرعون حتى تزول شهوة السلطان، حتى يصبح الآخر أساسياً حتى التنفس. حتى تصير الدنيا وجوها لا اقنعة. تأخذني أخذاً كلياً يا منصور عندما تقول:

مرفوض هذا العدل

 وباطلة أزمنة القوة

مرفوض فرح المغتصبين

ربابنة القمع الآتي

على السحب النووية.

أيها الرحابنة انتم لستم على مسافة واحدة من الظالم والمظلوم، من المضطهد والمضطهد. لعلّ الموسيقى عندكم بشارة وانتم تظلون على تواضع المبشرين بالوسائل التي اصطنعتموها بالكلمة، باللحن وبفنون أخرى وانتم على حياء رهيف ولذا انشدت:

وانني اهرب من/ وجهي/ وتاريخي/ وعمري.


تهرب من أناك لتحملك الملائكة أمام وجه الآب والملائكة لهم موسيقى بلا صوت ولا نغم وسيلاعبونك لتشهد الاسمى. سيملأك الله من الكرم الذي لم ينزل عليك لتحسّ انك فقير اليه الى الأبد. ستسير وراءه واذا فصحت قولي اقول ستسير فيه اذ لن يبقى عازل بين الخالق والمخلوق كما ليس من عازل بين الحبيب والحبيب.

هذه لغة الفصح يا اخي ودليل اقتناعك بالفصح انك كتبت قداساً وهممت بتلحين قداس آخر والقداس قيامة. سترتل لربك والملائكة هذا الذي أعوزك ان تلحنه. ستقوم جسماً روحانياً كما يقول بولس، ممجداً كالمسيح. لقد تقت ان تكون من أهل السماء.(..).

سيسمع العرب الرحابنة او يشاهدون أعمالهم ماثلة في القلوب. سنرجع يوماً معاً الى الحق والحرية اي ستزول جاهلية العرب وكذا اشتهيتَ مع عاصي سنرجع يوماً الى شوارع القدس العتيقة نطلب فيها الاله الواحد ونحب فيها بعضنا بعضاً. سنرجع الى غزة. ودماؤها الطاهرة تنجينا من الموت الروحي. سنضمد جراحنا المحسوسة وغير المحسوسة ويمسح الله عن عيوننا كل دمعة. اذا قلنا غزة فنحن نقول العدل.

أعرف، منصور، انك حامل معك مشاعرنا نحو الشعب المغتذي روحياً من القدس التي هي حياة من يحيا ضميره. باركك الله، منصور، تبريكا كثيراً. في هذه البركات خذ سلامنا الى روحك بعد ان هدئت من الأوجاع. سيرفع الله عنك كل غربة سكنتك ويعلنك ملكاً مع الذين مجّدهم في حنانه. وأبقى لنا الرحابنة جيلاً بعد جيل واخوتنا الفنانين في كل أقطارنا حتى يعلنوا في ما يبدعون ملكوت المحبة.