بانتظار انسان الزمن الآخر.. منصور الرحباني يرحل إلى الوطن الأخير
بانتظار انسانالزمن الآخر..
منصور الرحباني يرحل إلى الوطن الأخير
عزيزة السبيني
يوماً ما تساءلت أيمكن أن يمتزج الفنان بفنه الى درجة التوحد، أن يكونه، لا يقدمه ذريعة أو سؤالاً، بل يستفهمه دعاء ورجاء.
التقيته قبل أن يقدم مسرحيته "حكم الرعيان" ضمن فعاليات مهرجان بيت الدين من العام 2004، وكان لقائي به أشبه بلحظات غياب، فقدسية هذا الرجل الذي أراه أمامي محيرة، وأكاد أقول لنفسي، إن الفن ليستلهم قدسيته منه، فهما نبض واحد، ولأنه أراد أن يكون هذا التوحد في العالم الآخر أيضاً، كانت وصيته أن يكون نعشه والتابوت الذي يوارى به جسده مصنوعاً من أخشاب ديكور المسرحيات التي قدمها، وبعد هذا أيحق لنا الحديث عن الفن والإنسان، هكذا هو الفنان الوطن، ذاكرة وانتماء. واليوم وبعد ثلاثة وعشرين عاماً سيلتقي عملاقا المسرح الغنائي العربي عاصي ومنصور في عالم أكثر أمناً واستقراراً.
شكل منصور الرحباني مع أخيه عاصي مدرسة الرحابنة، وتأثرا ببعضهما، فتمازجت أفكارهما، قرأا جبران والريحاني وجورج شحادة، وطه حسين ونيتشه «نحن الاثنين كتبنا حياتنا». قدم منصور وأخوه عاصي العديد من المسرحيات الغنائية التي حققت شهرة ليس في العالم العربي فقط، وإنما في جميع أرجاء العالم، وكانت فيروز بطلة هذه المسرحيات بالاشتراك مع شقيقتها هدى، كما تعاون الأخوان رحباني مع مطربين كبار أبرزهم وديع الصافي وزكي ناصيف، وغسان صليبا، وكارول سماحة، والفنانة التونسية لطيفة، بالإضافة الى مجموعة من الفنانين السوريين، كما تعاون الأخوان مع الراحلين نصري شمس الدين وفيلمون وهبي.
وبعد وفاة عاصي في العام 1986، ظهر اسم منصور الرحباني لأول مرة في مسرحية «صيف 84» كانت تحية الى عاصي وعموم انطلياس، قام ببطولتها الفنان غسان صليبا، والفنانة هدى واستمر منصور في عمله شاعراً وملحناً فقدم «الوصية» كما قدم «ملوك الطوائف» إيماناً منه، بأنه لايمكننا تجاهل التاريخ الأندلس، والجبن والتواطؤ العربي «فنحن جزء من منطق التاريخ حين نرى الى مشروع دولةووطن فيما يتجاوز الواقع الذي نحن فيه، هذا العمل كما في الأعمال السابقة قدمنا فيه فهمنا الخاص للتاريخ».
وكان اختياره لـ «المتنبي» اختياراً لكل شعراء الأرض والتصادق مع الموت لأنه الوحيد الذي سيبقى معنا. ولأن الفن محاكاة للواقع طرق «سقراط» بابه مجسداً أفكاره رفيق علي أحمد.
عاش منصور الرحباني نكبات الأمة العربية جميعها، وعاش الحرب الأهلية اللبنانية، والاجتياح الاسرائيلي لبيروت فازداد تعلقاً وانتماءً بوطنه، وحاول أن يجسد هذا الانتماء عبر صرخة فنية فكانت مسرحيته «حكم الرعيان» بمثابة جرس إنذار بأن الوطن يكاد يضيع «الوطن هو القبور، هو الأسلاف والسابقون، وكلما انضم أحدنا الى التراب سكن الوطن فينا أكثر، من دون الإنسان، الوطن مجرد أرض، من دون ذاكرة ولا انتماء كما أن الوطن هو شباك الحبيبة»
في «حكم الرعيان» استعاد منصور الرحباني نبض الحكاية الأسطورية التي تسكن دائماً الأرض والوطن في هاجس البحث عن الحكم الجيد، والعدالة ورفع الظلم عن معذبي الأرض، ويعالجها معالجة حداثية، تقول الحقيقة دون أن تجرح أحداً. «فالوطن لا يصير وطناً إلا إذا كنت أنت فيه وهو والآخر والهواء والعاصفة والريح والوعر والجبل والحلم والمعرفة والطموح. هذا هو الوطن».
وحكم الرعيان مسرحية تختصر كل شيء اسمه وطن.
رحل منصور الرحباني ولا تزال مسرحية «عودة طائر الفينيق» تعرض على مسرح كازينو لبنان. تدور أحداث المسرحية في عام 1370 قبل الميلاد، في عيد أدونيس وعشتروت، حيث راعي الزمان يخاطب طائر الفينيق الذي يحترق كل خمسين سنة ثم يقوم من رماده بعد ثلاثة أيام. وفي هذه الفترة يتناحر على لبنان الحثيون والمصريون حيث وقفت الأميرة «روكسانا» والثائر مجدو ابن صانع السفن ليدافعا عن جبيل فأحرق المدينة بكاملها بدلاً من الاستسلام للغزاة. وهذا ما تأمل به منصور بأن ينهض لبنان من وسط الرماد من جديد بعد احتراقه في صراعات داخلية وخارجية كما هو الحال في أسطورة العنقاء.
المسرحية من بطولة أنطوان كرباج وغسان صليبا وهبة طوجي وتقلا شمعون بالإضافة الى عدد كبير من الممثلين والراقصين، والمسرحية من إخراج أسامة ومروان الرحباني.
رحل منصور الرحباني وليس لبنان وحده وإنما العالم العربي برمته يعاني من الصراعات الداخلية والخارجية، فالمسرحيات العبثية تمسرح على أرض الواقع في العراق وفلسطين، «فنحن نعيش عصراً تجريبياً وقلقاً، الناس هدمت كل حيطان الإيمان وأخذتها العواصف والريح، ونأمل أن يرجع ويتبلور الإنسان بحالة أصفى وأكثر حضارة وفي زمن آخر».
تشرين السورية