باقة من الورد اسمها الجزائر
باقة من الورد اسمها الجزائر
د. شفيق يازجي
علمنا التاريخ أن الجزائر هي بلد المليون شهيد وان لها باعاً طويلاً في البطولات كفيتنام وجنوب افريقية وفلسطين... وتاريخاً مميزاً في النضال ضد الفرنسيين... منذ قصة المروحة الشهيرة التي ضرب بها حاكمها آنذاك الداي حسين عام 1827 رسول الملك الفرنسي شارل العاشر... والتي تذرعت بها فرنسا لاحتلال الجزائر عام 1830... مروراً ببطلها الذائع الصيت عبد القادر الجزائري عاشق دمشق والتي اختارها كمنفى قضى فيها بقية حياته ولعب خلالها دوراً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً مهمّاً أبرزه وأد الفتنة الطائفية عام 1860... وحتى أبطالها ال22 وحصولها على الاستقلال عام 1962... ولكن التاريخ لا يُحدِّث كثيرا عن الجمال الذي تمتاز به هذه العاصمة العربية...
تقع لؤلؤة المغرب حيث يلتقي السهل بالجبل ليرسما لوحة من ابداعات آلهة الجمال... تسرق من البحر زرقته ومن أشجارها الخضراء الباسقة شموخها... وتبدو كعروس للمتوسط تستحم من هبات سمائه... وككل مدن المتوسط تعاقبت على جزائره حضارات... من الفنيقيين سادة البحار الذين كانوا يستريحون في هذه الفسحة الجنائنية وربما كانوا أول من وضع الحجر الأول لها... الى اليونانيين فالرومان الذين تركوا آثارهم الشبيهة بتلك في بلاد الشام ... الى الفاتحين العرب الذين منحوها الدين واللغة واللون الأبرز في ثقافتها... الى الحامية التركية التي ساعدتهم عام 1517 على ايقاف هجمات الاسبان... وحتى الفرنسيين وأبطال التحرير... تاريخٌ غنيٌّ جمعته متاحفها بكل فخر واعتزاز في تشكيلة من الألوان بعضها زاه والآخر أحمر أو أسود... التقت كلها لتكون باقة من الورد والحب اسمها "الجزائر"... وأهل بلد التمر والكروم محبون لأهل الشام ولهم معهم ذكريات وأواصر قربى... منذ موسى بن نصير وعبد القادر الجزائري وثوار سوريا الذين ساهموا في ثورة التحرير الأخيرة (1954–1962)... الى المدرسين السوريين الذين ساهموا بالتعليم والتعريب بعد الاستقلال... فضلاً عن دور الأعمال الدرامية السورية... كلها تراكمت في ذاكرتهم وكوّنت حباً ولهفة وقرباً من ابن سوريا... فهو ابن جلدتهم ولهم معه ماض جميل وأمل بمستقبل أجمل. ولأشقائنا المغاربة فطرة البدو فهم صادقون ومضيافون... وعندهم أناقة الفرنسيين وآداب موائدهم وحسن تنظيمهم... دون أن ينسوا خصوصية الانتماء والفولكلور المتأصلة في نفوسهم مثل الموشحات الأندلسية والرقصات البربرية والجبلية والصحراوية والعادات والتقاليد العربية... مما يجعلك تشعر أنك تعيش في بلد تلتقي وتمتزج فيه الحضارات المتوسطية كما أمواج البحر المتلاطمة قبل أن تتناغم وتهدأ فوق الرمال... وتتنوع فيه الأقوام والثقافات كما المناخُ من الجنوب ذو الطبيعة القاسية الى جبال الأوراس منبتِ الشجعان وحتى الخط الأخضر حيث الجمال والكياسة والسحر... ولا تكتمل الرحلة في درة المتوسط دون أكلة "الكُسْكُسْ" الشعبية الشهيرة التي تحضَّر من القمح المعالج والمطبوخ على البخار والذي يُغمر باللحم والخضار المنوعة المطبوخة على مراحل... ويقدم الكسكس أيضا مع العسل كتحلية...
والجزائر العروس لا تستطيع أن تخفي خجلها من عشر سنين عجاف مارس فيها أصدقاء الظلام الرعب والاغتصاب على جسدها الجميل وعلى أطفالها البريئين... تاركاً حزناً في عيونها العسلية وندبات جراح على سواعدها الحنطية... ولكنها... وكما تؤكد لزوارها.. في طور الشفاء...
وأثناء طيران العودة تنتابك قشعريرة لفراق من أحببت... وتحس بالعبق المتبادل بين عاصمة التاريخ الشرقية دمشق... وبين شقيقة الغمامات الغربية الجزائر... بما لايمكن ادراكه الا بالقلب... ومنه تفهم سر بقاء حوالي 600 ألف فرنسي فيها بعد رحيل الاستعمار... وكذلك سبب استقرار الكثير من المشرقيين..
هناك
Ch.yazigi@yahoo.com