أن تكون محمد عطا أو زياد الجرَّاح

جمانة حدَّاد قرأها 6
  بعض الكتب تقرأها وبعض الأفلام تشاهدها، فلا يسعك إلا ان ترتجف من فرط "اقتناعك" بها وتصديقك إياها وانجرافك الكامل، جسداً وقلباً وروحاً، وراء الوهم "الحقيقي" الذي تبيعك إياه...
11 أيلول 2001 يوم لا يشبه أيَّ يوم آخر في تاريخ العالم، رغم سلسلة اللحظات العديدة التي لا تُنسى، في القرن العشرين، فظيعة أكانت أم عظيمة. من المنطقي تالياً أنْ يصير ذلك اليوم مفصلاً أدبيا وفنياً وثقافياً بقدر ما هو مفصل تاريخي وسياسي ومجتمعي. والحال، فقد سجّل حضوراً بارزاً في عالم النشر، وحفّز ولادة كمية هائلة من الكتب، راوحت بين الرواية والتحليل السياسي والتقرير الصحافي والشهادات الحيّة والتجارب الشخصية وكتب الصور وحتى كتب الاطفال التي سعتْ الى تفسير ما حدث للقراء الصغار. لكن قد يكون أهمّ ما صدر على هذا المستوى أخيراً رواية "إرهابي" للكاتب الأميركي المخضرم جون ابدايك، ورواية "صاخب جداً وشديد القرب" للأميركي الشاب جوناثان سايفران فوير، وقصة "ساعات محمد عطا الأخيرة" للبريطاني مارتن إيميس.

إذا الواقع نفسه الذي طاول الأدب بدأ ينطبق أيضاً على السينما، رغم أنَّ قطاع صناعة الأفلام لم يشهد الغزارة التي شهدها قطاع النشر، كأن ثمة توافقاً جرى بين المخرجين لاجتناب الصور الصادمة والمشاهد الحساسة والاشارة الى هذه الأبوكاليبس في أعمالهم. فلم يبرز أي عمل جدير بالذكر عنها، باستثناء بعض الأفلام القصيرة، الى ان أبصر النور هذه السنة فيلمان ضخمان يعالجان ذلك اليوم الرهيب، هما "مركز التجارة العالمي" للأميركي أوليفر ستون، وunited 93 للبريطاني بول غرينغراس.

إذا كنت أتناول هذا الموضوع اليوم بالذات، فلأنه أتيح لي أن أقرأ خلال "الويك إند" قصة مارتن ايميس المذكورة أعلاه، التي كانت نُشرت لبضعة أشهر خلتْ في الـ"نيويوركر"، وأن أشاهد فيلم united 93 الذي كتبه وأخرجه بول غرينغراس، وقد وجدتُ بين هذين العملين الممتازين عاملاً مشتركاً أساسياً، عزوتُ اليه جزءاً لا يستهان به من نجاحهما: فالإثنان يتسللان بسلاسة ماكرة الى رأس "الوحش". الإثنان يتقمّصان القاتل ببراعة ويَلبسان جلده ويعيشان حياته وأفكاره وأحلامه ودوافعه. هكذا تراءى لي، وانا اقرأ قصة ايميس، أني أنا الشاب المصري محمد عطا الذي قاد عملية اختطاف طائرة "أميركان ايرلاينز 11" الى حين اصطدامها بالبرج الشمالي من مركز التجارة العالمي، مثلما تراءى لي وأنا اشاهد فيلم غرينغراس، أني أنا الشاب اللبناني زياد جراح الذي قاد طائرة "يونايتد ايرلاينز 93"، تلك الطائرة التي كان من المخطط لها أن ترتطم بالبيت الأبيض، لكنها تحطمت بدلا من ذلك في أحد السهول في بنسلفانيا بسبب فشل العملية جراء "انتفاضة" الركّاب على الخاطفين.

القشعريرة نفسها تلتهم القارىء هنا والمُشاهد هناك، لأننا لا نملك خياراً آخر سوى ان "نؤمن" ونندمج: الكاتب والسينمائي إذ يتخيّلان يظلان متمسّكين بالواقع، فنسمع صوت انفجار الطائرة في القصة ونقرأ أفكار الإرهابيين في الفيلم، ونعيش الهلع والنيران والدخان والصلوات والانهيارات والقفزة في فراغ الموت: إنه واقع سوريالي أبوكاليبتي مجنون، واقع يغلب الخيال، "يفحمه"، ويتركه فاغر الفم. لم يخفَ على ايميس وغرينغراس أنهما "خاسران" سلفاً في معركة الخلق، بل كانا مدركين خسارتهما وقابلين بها، وهي خسارة ناجمة عن افتقارهما الى عدد كبير من الأسلحة الروائية والسينمائية المألوفة، على غرار عنصر المفاجأة والحبكة المبتكرة وأيضاً وخصوصاً استعراض الروائي والسينمائي لعضلات خياله: فالقارىء والمشاهد، وإن تصدمهما فظاعة ما يتخيله الكاتب والمخرج من تفاصيل، لا يملكان إلا ان يدركا ان ما حصل فعلا في 11 أيلول يساوي المتخيَّل فظاعةً، لا بل يتفوق عليه.

ليس غريباً أن يكون ايميس وغرينغراس غير أميركيَّين، اذ كان يتطلب الاشتغال بفاعلية على مادة 11 أيلول مسافةً ما، غير متاحة بعد، على ما يبدو، للكتّاب والسينمائيين الأميركيين الذين لم يستطيعوا الإفادة ربما بما يكفي من الانفصال الزمني الضروري لبلورة التجربة وإنضاجها و"هضمها" وتحريرها من شباك التورط العاطفي ونقلها من جسدها الانفعالي الأول، أي الحدث في عينه، الى جسد أدبي أو فني جدير بالحياة. وقد ذكّرني هذان العملان الممتازان الى حد كبير بروايةٍ للأرجنتينية ايزابيل سونيرتي كانت صدرت بعد نحو سنتين من الحدث، عنوانها "رحلة 9/11"، تتخيّل فيها قصة أحد ركّاب الطائرة الأولى التي اصطدمت بمركز التجارة العالمي، منذ مرحلة ما قبل الإقلاع الى حين الانفجار. وقد وثّقت سونيرتي روايتها يومذاك بمقالات صحافية ومزجت الحقيقة بالخيال، على غرار ايميس وغرينغراس، حدّ انه اجتاحتني وأنا أقرأ كتابها موجة من الكلوستروفروبيا والذعر لفرط إحساسي الفعلي والملموس بأني محتجزة في طائرة الهلاك تلك. العملان يملكان ايضا قواسم مشتركة مع "متسامحات" جوناثان ليتل التي نالت أخيراً جائزة الأكاديمية الفرنسية للرواية، ويتقمّص فيها الكاتب شخصية ضابط في "سلاح قوات الحراسة" النازي أيام الحرب العالمية الثانية، فنتعلّم معه كيف يقع القارىء في "فخ" الكاتب، بعد وقوع الكاتب في فخ الراوي – المجرم.

بعض الكتبتقرأها وبعض الأفلام تشاهدها، فلا يسعك إلا ان ترتجف من فرط "اقتناعك" بها وتصديقكإياها وانجرافك الكامل وراء الوهم الذي تبيعك إياه. إذا اراد احدكم أن يعرف ماذايعني ان يكون محمد عطا أو زياد جرّاح، فليقرأ قصة مارتن ايميس أو ليشاهد فيلم بولغرينغراس. سترتعد أوصالكم لا محالة، ولكن لا تخافوا: ليست الرجفة سوى أحد عوارضاكتشافنا أننا في حضرة تحفة.

صحيفة النهار