قلب... تحت بيلسانة وزيزفونة - قصة حب
قلب... تحت بيلسانة وزيزفونة
(قصة حب)
د. شفيق يازجي
هربت الدجاجات أمام مكنسة الجدة وهي تنظف أرض الديار الشمالية قرب القن... وكان الديك الجميل ذو الألوان المتعددة والعرف العنابي ينفش جناحيه ويشرع ذيله فيبدو كالطاووس في حظيرة يحتكر فيها الذكورة وحده ويتمايل بين محظياته المعجبات أوالمرغمات على مغازلته... فتقترب منه الواحدة تلو الأخرى خافضة الرأس ليس حياءً ولا خوفاً وانما لغريزة رسمها رب البقاء والتكاثر... وفي القن موادع خاصة بوضع البيض فلا تكاد دجاجة (تقرق) حتى يدرك أهل البيت أن بيضة طازجة قد خرجت لمائدة الطعام... التفتت الجدة فجأة الى زياد لتطلب منه احضار دلو ماء من البئر... فشاهدته وعيناه مخطوفتان الى الشرق الى منزل وصال...
لبّى زياد أمر جدته الحبيبة بسرعة فقد كان البئر ممتلئاً هذا العام من أمطار الشتاء التي جمعتها مزاريب سطح المنزل... تناولت الجدة دلو الماء وقالت له: (يابني بنات الناس مانن لعبة)... وتابعت تشرح وتفسر ما تقصد... وترش الماء... أما زياد فقد صُمَّت أذناه وبدأ يخاطب روحه والألم يعصرها... يا الهي حتى جدتي كأهل الحارة باتت تعرف قصة حبنا... لم أرتكب خطأ انني فقط أحبها... أسكن بحور عينيها السوداوين وتتمرغ روحي بين أهدابها... ولكي نلتقي نهرب من الشمس ونختبىء بين أثواب الظلام خوفا من الفضيحة... نتمشى بعيدا عن عيون الناس وقد ننفرد مع بعضنا ولكن الخجل كان يمنع عينينا أن تلتقيا فترتجف قلوبنا وتُلجم شفاهنا... ولم يكن لدي من الحديث للتعبيرعن سعادتي وسحر اللقاء الا ماحفظته من أغاني سيدة الطرب أم كلثوم لأسمعها لوصال الغالية... واستذكرَ في سره: هذه ليلتي وحلم حياتي بين ماض من الزمان وآت... نعم كيف لا أحبها وروحي أينعت كأزهار الياسمين على يديها.. كيف يمكن أن أبتعد عنها وهي التي جعلت شباب الحارة يغارون مني... ولمن ستصدح سيدة الغناء العربي بلسان قلبي لسواها: ياحبيبي البارح وحبيب ده الوقت ياحبيبي البوكره ولآخر وقت، وعندما تغيب لمن ستنادي ست الكل بلسان روحي: أقولك ايه عن الشوق ياحبيبي أقولك ايه ومين غيرك داري بي ولمن ٍسأردد عندما نتواعد للقاء الغد: أغدا ألقاك ياخوف فؤادي من غدي...
كانت وصال عذبة الصوت كمطربة رحبانية... خفيفة الظل باسمة الثغر... عيناها كعيني المها... أنيقة كشجرة عيد الميلاد... سلسة كمياه نبع الفوار... حنونة كأم... لها في كل أغنية رحبانية ذكرى مع حبيبها: تحت الرمانة حبي حاكاني... ياكرم العلالي... لشو بتطلع يا قمر... وفي إحدى الأمسيات التقت مع حبيبها في البستان المجاور لمنزليهما واختارا حجرين متجاورين فوق بساط من سندس... تحت بيلسانة وزيزفونة وبضعة أغصان زيتون... وكانت السماء صافية والقمر بدراً يتلصص من خلف الأغصان على عاشقين أضرم الحب قلبيهما بناره المقدسة... وقالا أشياء... وتبادلا الوعود والآمال البريئة... وتساقطت بين الكلمات دموعٌ دفعت بها العيون من فيض الفرح... تقاربا قليلاً وكانت وجوههما تغيب وتحضر حسب حركة أوراق الأشجار أمام ضوء القمر الشاخص من بعيد... شعراً بدفء الحب... وبعد قليل سمعا من بعيد حركة ما... خافا... همَّا بالهرب... قطف قبلة من وجنتها وكانت الأولى... وللحظات ترنحا بين مد القمر وجاذبية الأرض... وأحسّا أن شيئاً من قلبيهما قد سقط في ذلك المكان...
كان يتذكر تلك اللحظات الجميلة مع وصال... وتساءل؟ هل هذا ما تقصده الجدة... عن مخالفة تعليمات الله وعن الحرام وسمعة البنات... وحاول أن يغير مجرى حديثها... كأن يسألها: هل أُحضر دلواً من الماء؟ وهل...؟ ولكنها كانت تستطرد بما يشبه عظات الكهنة أيام الآحاد... فنظر الى الغرف المجاورة ليخفي اهتمامه بالسطح الشرقي... حيث تتمشى وصال أو تنشر غسيلا أو تراقب حبيبها كما يفعل هو من بعيد... جال بعينيه بين القن والتنور وبين الخمونة وغرف المؤونة... حيث جرن الحجر لدق الحنطة والعدس... والجعيلة لسلق القمح... والمنقل الترابي... وبلاطة الكبة والميجنة والقُفة والكركة... وعلى الحائط يتكيء الشوبك والمغزل وطبق القش... وفوق السطح حيث ترتاح أعواد العوزلان بانتظار مواسم التين والمعرجلينة لدحل السطح الترابي... وكانت عصافير التين تطير من الرمانة الى التينة المجاورة... وعصافير الدوري تتلطّى حول الدجاجات لتسرق بعضاً من حبات الحنطة...
ومرت الأيام وحياة الحبيبين تتأرجح بين شوق ولقاء... وحب وغيرة... وأمل وتشاؤم... وبقيت فيروز مرسالاً للحب بينهما فلها تغني: دخيلك ياأمي مدري شوبني اتركيني بهمي زهقاني الدني وله تنشد: ليلية العينين السود بيطلوا يبكوني غزلوني على صوت العود غنية وغنوني حتى سمع ذات يوم... أن هناك غريما له يريد نزع وصال من قلبه وانه يتردد الى منزلها... لم يصدق أن هذا ممكن... ولكن الاشاعات لم تكن تداعبه... فقرر قطع علاقته بسمراء قلبه... مما أحزنها جداً ودفعها لتفضيل الزواج القريب على حب بلا أمل...
كتب لها كثيراً محاولا ثنيها... وتألم كثيراً... لكن دون جدوى... فغادر القرية بمساعدة جدته التي كانت تلحظ معاناته من تعابير وجهه التي هجرها النوم... ومن تنهداته الليلية... وآهات أم كلثوم التي أصبح لا يفارقها... أما وصال فقد زُفت عروساً لمكان بعيد وغادرت القرية... ولم يعرف أحداً أن الدموع الغزيرة التي ذرفتها ليلة عرسها... انما كانت حزنا على قلبها الذي دفنته تحت بيلسانة وزيزفونة وبضعة أغصان زيتون... في ليلة كان فيها القمر بدراً...