صفحة بيضاء في كتاب أسود.
صفحة بيضاء في كتاب أسود.
سوزان ضو صايغ
· أين أناس الشوارع؟ لماذا أقفرت الطرقات؟
- عادوا إلى وحدتهم يلملمون أشلاءهم الحيّة ويدفنون الميتة منها.
· وهل بقيت فيهم أشلاء حيّة؟
- تلك التي تطايرت خارج المصيدة، وهاجرت إلى أوطان غير مفخخة، بقي فيها بعض من حياة.
· كم يحزنني هذا الشعب المسجّل على لائحة الانتظار، المرصود على مشارف الموت مع كلّ إشراقة شمس.
***
· أين ربيعكم يا أبناء وطني؟
- محتجز بين فصول الموت والدمار.
· لماذا لا تعترضون؟
- بأي صوت وقد خنقوا كلّ الأصوات؟
· تبقى عيونكم لترمقهم بنظرات الاحتقار، لتخبرهم بدمعها عمّا فعلوا.
- ومن منهم بقيت له عينان ليرى بهما؟
· صحيح، كلّ العيون صارت عمياء، كل القلوب سوداء.
إنها النهاية.
***
· أي لون ستختارين لكتابك الجديد؟
- الأسود.
· من يختار الأسود لوناً لكتاب؟
- يختاره من يكتب عن أحبّة غابوا بدون إنذار،
يختاره من يكتب عن وطن صفحات تاريخه غارقة بالدماء،
يختاره من لا يسكن يومياته أن اليوم قد يكون اليوم الأخير مع أحباب العمر، يختاره... من أقام في وطني.
· أعطني ورقة من دفتر يومياتك هذا لأكتب عليها أسباباً تجعلك تختارين لوناً آخر.
- أعطني سبباً واحداً!
· وطنك ليس الخوف كما تقولين، هم حوّلوه إلى مصيدة.
وطنك ليس الذاكرة الناطقة بالوداع الأخير كلّ صباح، هم حولّوه إلى قنبلة موقوتة تنتظر الانفجار.
وطنك ليس تاريخاً غارقاً بالدماء، هم حولّوه إلى مستنقع نتن تفوح منه رائحة دمائهم، ولكنه ظلّ يأرج ياسميناً كلّ صباح.
- فلأغمض عيني وأحلم، أحلم أنني انتقلت إلى صفحتك البيضاء التي لا يصعب إيجادها في كتاب صفحاته، جميعها، سوداء.
***