ظلال المدينة الفاضلة

جينا سلطان قرأها 6
  

ظلال المدينة الفاضلة

جينا سلطان

حلم أفلاطون السرمدي في مدينته الفاضلة تخلّد عبر مجلدات المفكرين واجتهاداتهم التفسيرية المتباينة، لكنه لون استعارات المبدعين بزهوة الأمل المستحيل ومهّد لإسكان طموحاتهم العزيزة في الحرية الصرفة جناناً مرسومة بعناية الرصد الأخير.

صيرورة الاكتمال في الأذهان الحالمة باليوتوبيا لا تستبعد أي عنصر تزييني يغني الخاتمة السعيدة ويمهد لتلاشي آلام الانتظار الطويلة المجحفة.

لأن اليوتوبيا اقترنت دوما بالظلم والفقر وأعباء التناسب الهجين بين من يملكون ومن لا يملكون، لذا فهي محطة أساسية في مسيرة كل من ينذرون أنفسهم لإزالة الشوائب التي تعلق بمنظومة الأخلاق وتسمها بضبابية الشبهات والالتباسات.

لئن حفظت أروقة التاريخ المعلنة قصص الطغاة أمثال نيرون وكاليجولا، فإن ورثتهم لا يحتاجون في الوقت الحالي إلى أبّهة تلك الانتصارات العتيدة المنتزَعة من آهات الشعوب وذلهم، بل تكفي فقط ثرواتهم التي تكدست وتصلبت فمنحت رهطهم قوة الامتياز وقسوته المدمرة.

يوسع الكاتب المصري المعاصر أحمد خالد توفيق في روايته الجديدة "يوتوبيا" حواشي الحلم الأفلاطوني الشهير، مؤكدا أن انتهاكات الحاجة لا تتوقف عند صنوف المادة وأشكالها بل تتعداها إلى تطويق الأحلام وسلبها من عقول المعوزين بلصوصية فذة.

في يوتوبيا المسلوبة من أذهان المتعبين، جرى تسوير المطامع الإنسانية ضمن حدود إسمنتية عازلة معهودة أعلنت استسلام الفرد إلى سقم الإشباع البهيمي ومن ثم مجاوزته إلى تخوم اللامعقول في طلب المتعة، التي قد تسول في طياتها زينة النصر المتمثل في لعبة اصطياد الآخر المختلف لتأكيد التفوق عليه.

بين الصياد والفريسة لا بد أن تنشأ علاقة الصدّ والهجوم التي تتحدد بنوع الذبذبات الفكرية المتبادلة بينهما، فإذا صدف تواتر الإلمام بمعارف الأقدمين وتم النهوض المتكافئ بترف القراءة وهم الإدراك، فأين يمكن أن تنتهي هذه اللعبة الدامية؟

يوضح الكاتب أن الاشتراك في صفة الثقافة بين طرفين أحدهما يحتويه أمان المال وقوة تحكمه والآخر يهدهد بؤسه بتمسكه ببقايا إنسانية ذاوية، لا يعني أبدا وحدة تواصلية موسعة لحدود كل منهم،بل تتحول الذائقة الفكرية إلى عامل تعزيز لجدران العزل التي يتخفى وراءها الأقوى بينهما، تماما كصفة القسوة المفرطة ومعاينة آلام الآخر وتفعيلها،عند إدارة صراع العنف بين الفقراء والأغنياء، فالفقر هنا لا يوحد بين الفقراء بل يهيجهم في فورة تجنح نحو تقريح جروح المصابين منهم ونكء صديدها.

ثمة نقطة أخرى يبسطها الكاتب بدقة موجعة في مناحي قصيدته عن الألم المذلّ، وهي تجريد المُهان الفقير من حقه في حيازة الشرط الإنساني ومباشرة الشروع الدفاعي ضد تهديد الإرادة الحرة، والذي قد يتمثل ببساطة في المقاومة المستحيلة التي يبديها المحسن الفقير إزاء غدر المتمكن بغناه.

كان اغتصاب الفتاة المسلولة صفية ودفاعها المستميت عن إرادتها الحرة واختيارها، وتفضيل شقيقها جابر تنحية الإعدام في حالة الصياد المترف المتسلل هو رغبة حارقة في تأكيد الانتماء الإنساني رغم صديد الفقر وأسخامه التي تحكم على النفوس بالتعفن في شرانق البهيمية.
من المعروف أنه لا يمكن تقصير أمد الرحلة الداخلية بين عضات فقر مدقع وجوع مطوق ينهش النفوس، وزخارف درع مادي يوقع الوهم في حيازة القدرة الكلية، لذلك تبقى المسافات الخالية على هامش الوجود في انتظار المبكرين اليقظين الذين يغامرون بتصحيح مسار الرؤية ووضوحه.

النور