السماء والأرض والمطر.. وأحجية العزلة
السماء والأرض والمطر.. وأحجية العزلة
جينا سلطان
حين رفعت السماء واستقرت في حيزها المرصود، وُمدت صلابة الأرض على رقعة الفراغ الكوني الهائل، تواثبت قطرات المطر بينهما معلنة ميلاد دورات الحياة المتباينة وتعاقباتها الدورية، ومهدت لاعتلاء الناموس ورسائله الملغزة المبثوثة في كل حنايا الامتداد اللانهائي.
وعقب تجميع الذرات العضوية وتشكيلها التوافقي، انتصب الإنسان أحجيةً أزلية بعوالمه المتداخلة ورحلاته العبثية نحو كنز الخلود المادي ومده بطاقة القدرة الوهمية واستطالتها، ومابين تنهيدة الاستراحة القصية واستئناف اللهاث المسعور وراء القشور الرُّمية، يلمع خطفاً أمام الأحداق التي يغشاها الضباب، الكشف المنسي عن العودة النهائية إلى الحالة البدئية، ويشي بحدود المستحيل الذي خاط الرقع في الثوب المتجدد وملأ التصدعات في مسالك الأرواح المهاجرة.
السماء والأرض والمطر، عناصر الكون الثلاثة التي تحدد الإطار الطبيعي المبسوط فوق عزلة الكائن الإنساني المتمرد، الذي يئن تحت أثقاله ويحترق حنيناً نحو ظلال الحلم الفردوسي.
عندما تُضفر المحيطات الخارجية مع الثورات الداخلية في جديلة واحدة، فلا بد عندئذ من إشارة استفهام مباغتة تسهِّل التلقي المعرفي الوجودي، وتهيئ الكائن الذي يحمل لقب الإنسان للسير الطويل تحت وابل الغيث الإدراكي.
في الفيلم التشيلي (السماء والأرض والمطر) المنتج عام 2008 للمخرج الشاب (خوسيه لويس توريس ليفا) الذي شارك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان دمشق السينمائي الدولي الأخير، هناك عالمان يتواجهان وكائنات منهكة من العزلة تبحث عبثاً عن التواصل، فلا تلقى سوى الخيبات المتواصلة والمزيد من الإنهاك.
إشارة الاستفهام أطلقها المخرج من نقطة مكانية صغيرة غارقة في نسيان حضاري، وأعطاها طاقة الدفع الشاسعة من خلال منطق السير تحت المطر وعبر الماء في العبارة، ليدفعنا كمشاهدين نحو حدود الاستنزاف لأقصى إمكانات الصبر والانتظار، وبالتالي لاستذكار السؤال المصيري المتجاهل: هل نحن قادرون فعلاً على تحويل العزلة الجارحة وهمسات الماء الخافتة إلى محفّز إلى الإصغاء الفعال؟
تبدأ عزلة البطلة الشابة آنا من الوضع اليائس لأمها المريضة، الذي يفرض استبعاداً مؤلماً عن أُلهيات الحياة اليافعة، ثم يحدث خلل طارئ في الحالة النفسية لصديقتها المقربة مارتا، فتحرم من الصحبة ومشاعر الألفة المعتادة بين الأقران. كما أن حالة الإنطوائية التي تتحكم فيها تحرمها من الدفاع عن نفسها أمام رب عملها فتطرد. وهكذا تستمر في السير تحت المطر وسط الطبيعة النقية، لكن المطر الذي يغسل الأرض وما عليها من الأحياء، لا يغسل أبداً الموتى ومن في حكمهم!
تقبل آنا بالعمل خادمةً عند رجل عازب يكبرها سناً، تعذبه الوحدة الضارية أيضاً، لكن الطريقين لا يلتقيان رغم المفترق الذي يجمعهما بآماله الواعدة.
موت الأم يعمق الفراغ الداخلي للكيان الهش لآنا ويوسع العزلة باتجاه أكثر عمقاً، ومحاولات الصديقة فيرونيكا لإدخال البهجة تذهب سدى، فلا شيء يبدد سدم الضباب الكثيفة التي تغلف الروح المعذبة.
السير مطولاً تحت رحمة المطر، كان قدر آنا، والتهويم في الفراغ أحدق برفيقتها مارتا، وضياع الرجل وسط فوضاه العبثية أكمل ملهاة العزلة، فكانت النتيجة أن توغلوا جميعاً في تيه عقيم.
الصورة الجميلة التي عرضها الفيلم للطبيعة الأم، لعبت دور البطولة الحقيقية في الفيلم، إذ رسمت عنواناً ملائماً للغرق الإنساني في لجة الأثقال اللامرئية، وجاء التجاهل المقصود للموسيقا المرافقة عادة لأي فيلم، ليضعنا مباشرة أمام إصغاء إلزامي لصوت الطبيعة المنسجم مع إيقاع الروح الداخلي، فنقل صدى الأعماق البعيدة ذات العزلة الحقيقية.
الصورة التي ارتسمت منذ الأزل وسيلة وحيدة متاحة لاستدراك النقص المعرفي الكبير للإنسان، بقيت خاضعة للتأويل والتفسير، وجنوح الخواطر وبلبلة الأفكار، إلى أن تهيأ لها متيقظ يعي أبعادها ويسقطها في قلبه مباشرة، لذلك مغامرة العقل البشري مع أحجية الصورة المتداخلة في تعاقب تشكيلي مستمر، يذكر، يعد، ينذر.