الشتاء وتفعيل لغة الألم
الشتاء وتفعيل لغة الألم
جينا سلطان
تحت كلمة الألم تنضوي تصريفات لغوية شتى، منها ما يختص بلغة الباطن الخفية وأسرار مخاض الكائن النقي الصرف، كما أن بوحها الداخلي ينثر شغباً وصخباً في خلايا المادة الحية، يمكن ترجمته إلى مفردات تغني قاموس الإبداع الفني وزينته، وارتفاع نبرتها الخارجية قد يومض برعد الثورة والعصيان التمردي المهدد.
في جميع الأحوال هي لغة تسوقنا بعيداً عن السكينة والصفاء الداخلي، إذ تدفعنا نحو مجاهل مغربة تخلخلنا وتجعلنا ننوس حول مركز توازننا، وحتميتها كشرط أساسي لصيرورة التجربة الإنسانية وكمالها، لا تقبل الإزاحة ونقض الاحتمالات.
لا شك في أن للألم دوراً كبيراً في شحن الإنسان بطاقة داخلية عالية تحيله إلى قوة دفاعية عظيمة، لكنه أيضاً قد يجرده من قوته الهجومية التي تلازم صفته ككائن محارب يتدافع مع أقرانه على أبواب المجهول، فمن وحي الألم العظيم يولد الإبداع الخلاق الذي ينتثر جمالاً وإحساساً نحو الآخر القادر على التقبل بسماحة، وبذلك يُغفر للمخاض صعوبته.
وباعتبار أن كل إنسان هو مشروع سؤال، وبالتالي إما أن يجترح مخاضه المعجزات، أو يدعم السقوط في القاع السحيق للزمن، فإن التباين والاختلاف يتحقق في طريقة تفسير هذا السؤال وترجمته إلى بيانات مسعفة في لحم الجراح وحجب التعثرات، لمواصلة التقدم عبر بوابات الألم.
إن تفعيل الكلمة بصرياً، يشحنها بطاقة انفعالية عالية، تولد الاستجابة القصوى درامياً، وفي حالة الفقر الذي يمثل عاطفة قهر مكثفة، نحتاج إلى أكثر من الكلمات والتوصيفات لإحاطته.ولا يوجد أفضل من برد الشتاء القارص، وتطويع تسلله الغادر بين ثنايا الجسم وخلاياه، لتحريك عاصفة من السخط والاستياء، تتجمع لترسم إشارات الاستفهام وتبني ردود الأفعال، وتشحن الغضب النبيل في النفوس المنهكة.
اختار المخرج الإيراني الشاب (رافي بيتس)، هذا المنحى في فيلمه الحديث (إنه الشتاء)الذي حصد الجائزة الذهبية في مهرجان دمشق الأخير، وركز على عنصر البرد المجحف وهو يحاصر الفقير ويخترقه حتى أدق دفاعاته.
فعندما يهزم الرجال وتقهر إرادة الحياة في دواخلهم، ماذا يتبقى؟
كهل يدعى مختار يُسرِّح من عمله فجأة، ليجد في انتظاره قسوة الطبيعة المتوالفة مع جبروت الإنسان الطاغي.فيدفعه إلحاح الحاجة إلى تلمس أسباب الرزق خارج حدود إيران، حيث يتبجح الكثيرون بأسطورة العمل الوفير.ويضحي بأمان زوجته خاتون وطفلته الوحيدة وأمه العجوز، إذ يتركهم بلا معين.وحين تنقطع أخباره، تضطر خاتون إلى العمل في المصنع مع أخريات يشابهنها بصمتهن وبؤسهن.ثم يأتي وافد جديد في مقتبل العمر يدعى مرحب يعمل فني سيارات، ويسعى وراء عمل يحفظ كرامته وإنسانيته.
يلاحق مرحب خاتون ويطلبها للزواج عند وصول خبر وفاة زوجها في الغربة، ويستدين ثمن سجادة من زميله في العمل ليتم زواجه.
إيمان مرحب بكفاءته المهنية يدفعه إلى المطالبة بحقه في نيل رواتبه في أوقاتها، والاحتفاظ بحدود الحياة الأساسية.
يصطدم مرحب بصفاقة أرباب العمل وجشعهم اللامحدود، فيطرد بسبب إلحاحه على أجوره المستحقة، ويطلب السفر خارجاً شأن مختار، فيلتقي الرجلان عند القطار دون معرفة سابقة، ويدرك الشاب سبب إخفاء الكهل لهويته ووجوده أمام زوجته، فقد أصبح عاجزاً بساق واحدة ومنخوراً من القهر والبرد.فيرمي مختار نفسه تحت عجلات القطار، ويتبقى العكاز في يد مرحب.
رتّل الفيلم منذ بدايته أغنية حزينة شجية، عن الشتاء الذي يلقي بظلال سوداء على القلوب فتفقد ودها ودفأها وتحكم على الأنفاس بالتجمع على صيغة السحابة السوداء.
يلملم الشتاء آخر فلوله، وتندس برودته في طيات دفء الربيع، ولكن القهر والأسى يبقيان في تلافيف الذاكرة الإنسانية، فمهانة الإنسان لا تمحى بسهولة، فصداها يستوطن أغوار النفوس والقلوب الجريحة.
يخاطب الفيلم مخزون القهر الكامن في نفوسنا جميعاً، يشحن المشاعر التعاطفية ويوحدها في إطار المآسي وشقاء المصير الإنساني ومرارته. فعندما تنهار أوهام الحماية المهدهدة طويلاً، ويُستهلك الإنسان داخل عزلته الانتقائية، يبدأ التساؤل حول جدوى تجربته الحياتية ومقدرتها على رتق الأوهام العزيزة:هل تضمن لنا حدود الأمان، العزاء، أم تُلزمنا بالكفن فقط؟
النور