انتقل إلى المحتوى
أرق التكفير ورمزيته
جينا سلطان
خلاصة التفكير المجدي والمجهد لكل إنسان لا بد أن تتوجه دوماً نحو الخاتمة والمآل وتتساءل عن الثواب والعقاب وتعبر إلى مواصفات الجنة والنار، فتؤطر سعي هذا الإنسان في أرجاء الفناء الدنيوي.
أمام الكثير من حالات العنف والقسوة التي تتجاوز حدود الاستيعاب الإنساني لا يبقى أمام الذهن المجهد غير اتجاهين، إما الاستسلام إلى دوامة الفراغ والخواء المريع، أو توسُّل العقاب العادل كنتيجة منطقية لإحقاق الحق. وفي أثناء ذلك لا شك أن التفنن في تخيل الطريق الأجدى في تحقيق القصاص تكاد تشكل العزاء لمعظم الذين نزل الظلم بساحتهم وغرَّبهم عن إنسانيتهم وكرامتها.
يتمحور التكفير ظاهرياً على ضمان أمن الحشد الجمعي، ولكنه عملياً حالة فردية محضة تتمفصل حول كل ذات وقعت في خطيئة الشرك والتدمير الجدالي.
باعتبار الألم الوسيلة الوحيدة لإجبار النفوس العاصية على إدراك حدود الشكر والامتنان الأقصى، لذلك فهو التصور الوحيد المتاح والحيازة العملية لآلية إحقاق العدالة، ولكن كيف يؤرقنا هذا التكفير وينعكس في أوجه ومظاهر حيواتنا، ولماذا نحرص على تكفير الآخر متجاهلين أوحالنا والبرك المتراكمة داخلنا؟
في رواية الباب الخفي للكاتب الكندي المعاصر ميشيل ترامبليه، تلمُّسٌ غير مألوف لماهية التكفير القسري وضروب التأديب الذاتي، عبر لوحة جدارية تظهر أشخاصاً في حانة وهم يتأملون كؤوسهم في انتظار قدوم محرر ينقذهم من الماضي الذي سجنوا فيه.
في داخل اللوحة ارتحل الأشخاص بعيداً في رحلة حجٍّ ضمن متاهة أفكارهم العميقة، ووهب اقتراب شخص خارجي لوحتهم دفقاً من الحيوية ومهَّدَ لجريان طاقي مخلص استمد نبضه من سرد قصص أبطال اللوحة المصلوبين على جدار الزمن.
اشترك الجميع في اللوحة بأنهم ضحايا لفرد واحد تباهى بعباءة هتلر، وزاول متعته في تعذيب الآخرين والتفنن في إذلالهم ونزع الخاصية الإنسانية عنهم.
دارت الرواية في أجواء الكآبة التي تلتصق بالتكفير ومساربه المختلفة وطقوس قبول الغفران، وأظهرت ارتهان الجميع لعبودية الجنس والمخدرات والقمار، الأسلحة الفتاكة التي قدمت للجلاد سوطه الذرائعي الملائم لجلد ضحاياه.
الفكرة المبتكرة في الرواية هي أن اللوحة وأشخاصها من مخلفات الوهم الذهني، وطاقة الكلام التي حررت هؤلاء المسجونين وأدخلتهم جنة البهجة والحبور، هي ذاتها التي حاصرت الجلاد وأحلته جحيماً مفصلاً له، بحيث تمرغ فيه وسط جنتهم معزولاً عن أية شفقة أو هدنة مخففة.
قد يبدو الكاتب محقاً تماماً في تخيل نوعية الجحيم الذي يحترق الجلاد في أتونه، فمراقبة الهدنة التي ينتشي بها الضحايا عقب تأدية عقابهم والمقاربة للجنة والاسترخاء من عناء الألم، هي أشبه بوتد الجحيم الذي رُبط إليه الجلاد. ولعل أسوأ أنواع العقاب، حين تحاصر التعاسة والقلق المبهم ذاك الملوّث بعذابات الآخرين فتكويه نار المطهر وسط مباهجهم.
انتظار الغد في ظلال الرحمة الإلهية، يشكل ذخيرة الأمل التي تدفع الخُطا البشرية قدماً في مراوحتها البائسة بين تنكّب الظلم ولهفة العدالة، لكن حتى صور العقاب الإلهي المباغتة تملك خاصية البلسم الذي يبعث العزاء والرهبة في نفوس المتعبين ظلماً، إذ تذكّرهم أنه لا حدود لكلمة العقاب.
النور