نساءٌ وتاريخٌ وبُلدانٌ تحت اللحاف المنزوع عن الذاكرة

خالد نعمة قرأها 6
 

نساءٌ وتاريخٌ وبُلدانٌ تحت اللحاف المنزوع عن الذاكرة

خالد نعمة

 

دهشة ومتعة لا توصفان وليس بعدهما شيء امتلكتاني لدى قراءتي رواية (اللحاف) الحديثة العهد للكاتب والرسام والفنان التشكيلي (أيمن ناصر)، وهي بالمناسبة باكورة أعماله الأدبية الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب. إذ ربط مسرح الحدث في الرواية بين أرضين وشعبين لا فاصم بينهما إلا السياسة والحكام، الشمال السوري والجنوب اليمني مع كل ما بينهما وإلى جوارهما، وكشف المستور الذي لا تني الكثرة الكثيرة منا تغمض العين عنه، وتثور ثائرتها قياماً وقعوداً إن بان طرف منه، ففاحت رائحة عفن متراكم، ما كان له أن ينمو لو أنَّ مزيداً من الضوء وشمس النهار قارباه.

في تقديم وليد معماري للرواية يقول مفتتحاً: (قرأت الرواية سطراً سطراً... بالأحرى كلمة كلمة، لا للمهمة المنوطة بي...)، ويقول مختتماً: (إنها فتح جديد بعد زمن الركود... ولا أبالغ).

زمن الرواية الأساسي ليس طويلاً إطلاقاً. إنه تسعة أيام في حوث، تلك المدينة المنسية في شمال اليمن المبتلاة بالإهمال والنسيان والفقر والجهل، حوث التي عادت إلى واجهة الأحداث بأسلوبين متضادين كل التضاد: أسلوب الحوثيين الجدد التكفيري من جهة، مع ما يرافقه من قمع سلطوي يومي من جهة أخرى. وأسلوب الكاتب الحضاري الذي رسم الكلمات والأحداث بريشة ذلك الفنان التشكيلي الذي هو عليه، فجاءت روايته بانورامية كثيرة الأبعاد متأرجحة بمهارة ما بعدها مهارة عبر الزمكان العربي الكالح.

وكان أن كثـفت هذه الأيام بين دفتيها تاريخاً يمتد من الأساطير اليونانية الغابرة العابرة للأيام، وصولاًً إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكتبت سِيَراً وتغريبات أين منها سيرة عنترة وتغريبة بني هلال. تاريخاً تمر فيه الأحداث والوقائع ومضات متداخلة ومتشعبة وآسرة.

فتارة نحن في رقة الرشيد وأراضي الغمر وطفولة الكاتب المستباحة أرضها وسنواتها، وأخرى بين حشد من أساتذة عرب معارين لليمن الشقيق يحملون معهم كل عقدهم وعادات مجتمعاتهم وتراثهم الموروث والمكتسب، وتارة في سودان يتوق بعض أبنائه إلى مزيد من العلم، ولو في بريطانيا العظمى، التي لا تتردّد إطلاقاً في قضم حيواتهم بعنجهية عنصرية بعد استنزاف نسغ عروقهم، أما الاشتباك الرئيس للأحداث والوقائع فعلى أرض اليمن، الذي تقول الأساطير عنه إنه كان سعيداً ذات يوم في غابر الأزمان.

الغربة ترافق الكاتب في حلِّه وترحاله، وهو ما برح غريباً حتى في مدينته الأم، رغم اكتواء ذاكرته بنار صمتها وصهيل ثاراتها ونظر القلة من أدعياء أهلها. مدينة قانونها الدائم أن لكل شيء ثمناً، وبضمن ذلك الشرف المهدورة عفته من أجل رفاهية كاذبة، الرفاهية التي يرتبط بقاؤها بامتلاء سلال الأثرياء والأمراء من رطب أجساد نساء مسحوقات حتى نخاع العظم.

ومع ذلك، فلنسوة أخريات شأن آخر تماماً في الرواية، يناقض ما سطره الحكام والأغنياء وأصحاب السلطة الباحثون عن إشباع شهواتهم الحيوانية، شأنٌ يتجلّى عندما تتجسدنَّ في خيزران الطفولة، وحنين الرشد. و"غزالة التغلبية" التي تربط ضفتي جزيرة العرب بتاريخ يمتدّ إلى أعمق أعماق الزمن، و"عائشة" تلك العربية السودانية الباسقة التي لا ينافس قامتها ارتفاعاً إلا جرأتها وإخلاصها وشدة وفائها.

بين دفتي الرواية شخصيات كثيرة غاص الكاتب إلى قاع دواخلها، فأكسب حواراتها فلسفاتها الخاصة، وألبس ملامحها أثواباً من لحم ودم، وأعطى نوازعها المعلنة والدفينة عواطف إنسانية حقيقية، حتى يكاد القارئ يظنها تومئ إليه بحماسة من داخل الصفحات، ومن أبرز الشخصيات شخصيتا والدَيْ "حمزة" و"سيِّد"، اللذين انقلبت حياتهما رأساً على عقب مع انكسار رجولتـَيْهما، فالأول هدر رجالُ الأمن كرامته، وأهانوه في منزله أمام أفراد عائلته، واعتقلوه أعواماً طويلة، ليخرج بعدها شبه رجل، وقد خُصِيَ سياسياً واجتماعياً، في حين تكفـَّلت الإحالة إلى التقاعد بخصي الثاني وقلب شخصيته، أما المعاناة الحقيقية فكانت من نصيب أفراد العائلتين.

الرواية بحاجة إلى أكثر من إشادة وتقريظ عابريَنْ، وتستحق قراءة متمعنة وتنقيباً متأنياً بين السطور، فهي عمل جاد لإماطة اللثام عن واقع متفسخ إلى أقصى درجات التفسخ، ودعوة ملحاحة لفتح البصائر والأبصار على هذا الواقع، الذي تمسُك بتلابيبه طيور ظلام تنزعج مع كل بصيص نور مهما كان خافتاً.