خمسون عاماً على فجر عصر الفضاء

خالد نعمة قرأها 5
  

لقد بدأ تاريخ البشرية بالتغير بعد 4 تشرين الأول 1957. نعم، إنها الحقيقة. ففي ذلك اليوم، نجح الاتحاد السوفييتي في إطلاق (سبوتنيك-1) إلى الفضاء، ليكون أول قمر صناعي يدشن مرحلة جديدة نوعياً، مرحلة يتحرر فيها الإنسان من أسر الجاذبية الأرضية، لينطلق إلى رحاب الكون اللامحدود.

صحيح أن سبوتنيك الأول كان صغيراً وبحجم يقارب حجم كرة السلة، إلا أن أثر إطلاقه كان كبيراً، وظهرت مفاعيله في ميادين السياسة والتسلح والتكنولوجيا وتطور العلوم، وفي سباق الفضاء الذي بدأ بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، التي هالتها المفاجأة.

ولم يكن هذا الإنجاز، الذي حققه بلد الاشتراكية الأول، مصادفة عابرة، بل جاء استجابة لقرار المجلس الدولي لاتحادات العلوم، بإعلان الفترة الواقعة بين 1 تموز 1957 و31 كانون الأول 1958 عاماً دولياً للجيوفيزياء.

وتكرر إنجاز السوفييت الريادي ثانية بعد أقل من شهر، عندما أطلقوا قمرهم الثاني (سبوتنيك-2) في 3 تشرين الثاني وعلى متنه الكلبة لايكا، أول كائن أرضي حي يرتاد الفضاء.

وتكرر الإنجاز أيضاً وأيضاً في إطلاق أول رجل ثم أول امرأة إلى الفضاء، وفي سباحة أول إنسان في الفضاء الخارجي، وفي إيصال أول مركبة فضائية مؤتمتة غير مأهولة إلى القمر، وعودتها من هناك بعينات من التربة القمرية، وفي برامج محطات الفضاء، وفي المدد الزمنية الطويلة غير المسبوقة والقياسية لبقاء رواد الفضاء خارج الأرض.

وما كان لكل هذه الإنجازات أن تأتي وحدها، بل هي ثمرة لتخطيط طويل المدى، ولبرامج مدروسة بعناية، ولعمل وجهد مؤسَـسِـيَيْن فيهما كل ما يلزم من قسمة للعمل وتوحيد للقوى.

إنها نتاج نظام سياسي واجتماعي واقتصادي، ولا يعيبها إطلاقاً أن هذا النظام لم يعد موجوداً.

وتلك الإنجازات، في الحقيقة، هي نتيجة طبيعية لتطور علمي متعدد المجالات، ولوجود برنامج فضاء سوفييتي ووكالة فضاء سوفيتية قبلا التحدي، الذي رُمي في وجههما من وراء المحيط، وفازا في سباق الأمل المعقود عليهما، دون أن يفوتهما قطار الزمن.

والآن، وبعد خمسة عقود من بدء تأريخ جديد، نسأل والمرارة في فمنا: أين موقع العرب في هذا المجال؟

جهود مبعثرة، وبرامج غائبة، ومؤسسات لم تتشكل، وإرادات متباينة ومتصارعة، الغلبة لديها للمحلي والضيِّق على القومي والواسع.

برامج فضاء سعودية ومصرية وجزائرية ومغربية هلامية المعالم، والنتيجة صفر، إلا من إنجاز يتيم مثلته المرحلة الأولى من برنامج الفضاء العراقي السابق والمدمَّر، الذي تمكن في 7 كانون الأول 1989 من إطلاق أول وآخر صاروخ عربي إلى مدار فضائي منخفض، صاروخ كان اسمه (العابد)، بلغ طوله 15 متراً، ووزنه 48 طناً، وتكوَّن من ثلاث مراحل.

هذا الإنجاز اليتيم أجهضت ثماره قيادات سياسية لم تعرف معنى لترتيب الأوَّليات، وأدت حماقاتها إلى ضياع البلد وكل الإرهاصات العلمية الجنينية التي كانت تعد بشيء في المستقبل، وتركت الحبل على الغارب، كي يبقى قفاز التحدي التكنولوجي الإسرائيلي يلطم وجوه أنظمتنا صباح مساء، دون أن يتحرك فيها ساكن.