على هذا النحو تبتدئ أشهر قصيدة عربية في رثاء أشهر ثوار العالم المعاصرين وأكثرهم طهراً سياسياً واقتراناً للقول بالفعل.
إنها قصيدة الشاعر أحمد فؤاد نجم، التي تلخّص بتكثيفٍ شديد الأثر الكبير الذي تركه غيفارا في حياته ولدى استشهاده المأسوي.
في التاسع من تشرين الأول 2007، مرّت الذكرى الأربعون لموت هذا المناضل الأممي، ومع ذلك لم يخبُ وهج المثال الذي ضربه، بل هو لا يزال يلهم مزيداً من الناس، وخصوصاً الأجيال الشابة، العزم لمتابعة النضال ضد الإمبريالية والاستعمار والديكتاتورية والفقر والظلم.
كثيرون لا يزالون يتذكرون أقوالاً خالدة نطقتها شفتاه، ويكرّرونها، ويستلهمون منها دافعاً إضافياً في مواجهة كل ما من شأنه إثباط الهمم:
· "إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة تُوجَّه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني".
· "لا يهمني أين سأموت ومتى، بقدر ما يهمني أن يبقى الوطن".
· الثوار يملؤون العالم ضجيجاً، كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء".
· الطريق مظلم وحالك، فإذا لم تحترق أنت وأنا، فمن سينيره؟".
هكذا تكلـَّم غيفارا، وهكذا كتب ومارس ومات.
لم تُغره السلطة بعد انتصار الثورة، ولم يكن همه المنصب وكرسي الحكم.
كره البيروقراطية الحزبية والحكومية، وكان ذهنه مشغولاً بإنصاف المظلومين ونصرة المقهورين والمستضعفين على هذه الأرض، ورفض الاعتراف بقدسية الحدود القومية في الحرب ضد إمبريالية الولايات المتحدة.
وُلـِد أرنستو تشي جيفارا بتاريخ 14 أيار 1928 في الأرجنتين، ودرس الطب، وتزوَّج أول مرة مناضلة يسارية بيرونية في غواتيمالا، وانضمَّ إلى الثورة الكوبية في المكسيك، وبرز كقائد ومقاتل لا يهاب الموت. كان سريع البديهة، يحسن التصرف في الأزمات لدى قيادته الثورة مع كاسترو، وكان وراء أدلجة الخطاب الثوري وإعادة رسم إيديولوجيا الثورة على الأساس الماركسي اللينيني. وبعد حرب عصابات دامت سنتين ونصف، وفي كانون الثاني 1959 دخل إلى هافانا على رأس ثلاثمئة مقاتل، فأطاحوا بحكم الديكتاتور باتيستا، ليبدأ عهد جديد من حياة كوبا.
وبعد استقرار الحكومة الثورية الجديدة تولـَّى مناصب: سفير منتدب إلى الهيئات الدولية الكبرى، ومنظم الميليشيا، ورئيس البنك المركزي، ومسؤول التخطيط، ووزير الصناعة. ومن مواقعه تلك، تصدّى بكل قوة لتدخلات الولايات المتحدة، وقرر تأميم جميع مصالح الدولة، وأعلن عن مساندته حركات التحرير في كل من تشيلي وفيتنام والجزائر.
في تشرين الأول 1965، تخلى نهائياً عن مسؤولياته في قيادة الحزب وعن منصبه كوزير وعن رتبته كقائد وعن وضعه ككوبي، وذهب إلى إفريقيا لمساندة الثورات التحررية فيها، وحارب في الكونغو الديمقراطي (زائير حالياً) إلى جانب قائد ثورة الكونغو (باتريس لومومبا)، ثم انتقل إلى بوليفيا قائداً لثورةٍ هدفها رص صفوف الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية.
وهناك، في يوم 8 تشرين الأول 1967، هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 فرد مجموعة غيفارا المؤلفة من 16 فرداً، وقد ظلّ غيفارا ورفاقه يقاتلون 6 ساعات كاملة، وأُسر بعد موت جميع أفراد مجموعته وإصابته بجروح في ساقه ونفاد ذخيرته، ونُقِل إلى قرية لاهيجيراس، ولأن السلطات البوليفية كانت تخشى محاكمته علناً، وتخشى الأقوال والاتّهامات التي يمكنه أن يوجّهها، فقد عمدت إلى قتِله في الأسر بعد يوم من ذلك التاريخ، بإطلاق الرصاص عليه من أعلى إلى أسفل تحت الخصر، لإطالة فترة احتضاره، وقد رفضت هذه السلطات تسليم جثته لأخيه، أو حتى تعريف أحد بمكان مقبرته، كي لا تصبح مزاراً للثوار من كل أنحاء العالم.
فيما بعد، عدَّ جان بول سارتر وسيمون دي بافوار تشي غيفارا تجسيداً حياً لعالمٍ مثالي لم يكن له وجود إلا في الأفكار الفلسفية فقط.
والآن، ومع موجة العولمة الإمبريالية على الطريقة الأمريكية المتوحشة، فإن عولمةً بديلة على الطريقة الغيفارية قد تكون أكثر من ضرورية لدى مجابهة طاغوت الرأسمال المنفلت من عقاله.