السياحة والقذارة لا يجتمعان إطلاقاً، فمتى نهتم بنظافة مواقعنا السياحية؟
السياحة والقذارة لا يجتمعان إطلاقاً، فمتى نهتم بنظافة مواقعنا السياحية؟
خالد نعمة
يتحدث بعض سياسيينا واقتصاديينا عن السياحة بوصفها نفطنا القادم، ويفعلون كل ما يخطر بالبال من أجل جذب الاستثمارات وزيادة أعداد السياح الداخليين والخارجيين، ويتناسون أن الزيادة الهائلة في أعداد الوافدين إلى الأماكن السياحية، والضغط البشري الكبير على رقع جغرافية محدودة المساحة والمصادر والإمكانات يؤدي إلى استنزاف غير قابل للتعويض، وإلى تلوث تراكمي يلحق أفدح الضرر بالمعالم الجمالية الطبيعية والصناعية، وينعكس سلباً إلى حد بعيد على استمرارية الاقتصاد والصناعة السياحيين.
نماذج تقشعر لها الأبدان
سنبدأ من قلعة رحبة مالك بن طوق (قلعة الميادين) وهي من أجمل القلاع السورية، ومن بين آثارنا الأكثر تعرضاً للإهمال، ويعود تاريخ بنائها إلى القرن التاسع الميلادي في فترة خلافة المأمون. والزائر أو السائح الذي سيتنكب عبء الذهاب إليها، ستصدمه بادئ ذي بدء أكوام القمامة المنتشرة حول القلعة على مسافة تمتد كيلومترات عدة وفي اتجاهات مختلفة، وقد ساعد على انتشارها وزيادة رقعة التلوث عدمُ معالجة نفايات مدينة الميادين المتراكمة، وعبث المنقبين في أكوام القمامة بحثاً عن أشياء قيِّمة، والرياح التي لا تتوقف على مدار أيام السنة.
وإذا انتقلنا غرباً نحو الغابة الصناعية في (حاصور) الجبلية الساحلية، الواقعة في منطقة (ضهر القصير) بين بلدتـَيْ شين وبرشين، حيث أشجار الكستناء والسرو وغيرها من الأشجار الحراجية التي غرستها دوائرنا الزراعية على مدى عشرات السنين، فسنجد أن هذه المنطقة قد تحولت إلى متنفس لكثيرين من أهالي محافظتَيْ حمص وحماة، فهُم يؤمونها أيام العطل الأسبوعية والرسمية والأعياد طوال أشهر الربيع والصيف والخريف، ثم يغادرونها مخلفين وراءهم أكواماً لا تحصى من النفايات المتناثرة والمتراكمة هنا وهناك بين فسحات الأشجار، دون أن يكلـِّف أحد منهم نفسه عناء المحافظة على نظافة المكان، وكأنهم وطّنوا أنفسهم على أن لا عودة ثانية لهم إلى هذا الموقع، أو كأن لسان حالهم: (أنا الآن، ومن بعدي الطوفان). ويلعب دور في هذا الأذى اللاحق ببيئة الغابة المذكورة، إضافة إلى الإهمالَيْن المتعمد والناجم عن الجهل، أن الدوائر المختصة لم توفر ما يلزم من المعدات والوسائل كي يتخلص الناس من نفاياتهم في ذلك المكان بالطريقة الصحيحة والمناسبة.
وفي مشتى الحلو، تلك البلدة التي تحتل مركزاً متقدماً في مجال الاستقطاب السياحي، يقال إنه الأول على نطاق سورية، سنرى أنَّ عشرات آلاف السياح، وربما مئات الآلاف، الذين يقصدونها سنوياً قد شكلوا منذ فترة طويلة عبئاً ثقيلاً على طبيعتها، فقد تـُرجم حب كثيرين من السائحين لها برغبة في التملك ضمنها، وهذا ما انعكس على شكل زيادة سرطانية في أعداد المساكن والأبنية أتت على مساحات واسعة جداً من المسطحات الخضراء الحراجية والزراعية، التي كانت تشكل أحد المعالم الجمالية الأساسية للمنطقة، وانتصبت أبراج سكنية، وشُيِّدت أبنية متلاصقة ومتداخلة ومتعدية على كل ما كان حَرَماً في وقت من الأوقات، وتنافست في حجب التلال والجبال والوديان، ضاربة عرض الحائط بكل ما له علاقة بفنون العمارة وتخطيط البلدات والمدن، ورتـَّب وجود المقاهي والمطاعم وتوافد عشرات ألوف السياح خلال فترات زمنية قصيرة زيادة أسِّية في كميات النفايات العضوية والمخلفات الصلبة الناتجة، وهو ما يفوق مرات عديدة قدرة البلدة والبلدات المجاورة على تصريفها ومعالجتها، خصوصاً في ظل عدم وجود معمل لمعالجة النفايات فنياً، مما جعل التلوث ظاهراً للعيان وعلى نحو فاقع، ليلغي ما تبقى من مظاهر جمالية لم يأتِ عليه العمران بعد.
في دور الناس والجهات الحكومية
إن التردي الحاصل في المناطق السياحية، والتراجع الجمالي، وارتفاع معدل التلوث بالنفايات والقاذورات هي نتائج لسلوكيات بشرية أولاً ولسياسة غير سليمة وتخطيط رديء ومحاسبة ضعيفة ثانياً.
وما ينبغي فهمه أن السائح الحقيقي لا يهمه فقط معلم أثري أو فندق من الفنادق ذوات النجوم أو مهرجان أو مطعم يقدم لقمة طيبة، وإنما تهمه أيضاً النظافة أيضاً وقبل كل شيء، نظافة البيئة التي تبرز جماليات الطبيعة وتحضّر الناس وقيم المجتمع وأهلية المسؤولين.
نعم، للناس دور في الحفاظ على معالمنا السياحية وجماليتها، وهذا الدور ينبغي أن يكون طوعياً وواعياً، لكن للجهات الحكومية دوراً أكبر، ويتمثل في تأمين المستلزمات الحقيقية لسياحة مستدامة وفي رقابة فاعلة ومُصحِّحَة عند الضرورة.
ودون هذين الدورين فإن صناعتنا السياحية إلى تردٍّ.