قبلك الـ"أنت"... بعدك "الشوق إليك"

سوزان ضوّ صايغ قرأها 1,219
 

قبلك الـ"أنت"... بعدك "الشوق إليك"

 سوزان ضو صايغ

       وراء حكاية شوقنا إلى وجوههم، يرحلون.

يحملون مع ذاكرتهم غيابهم عنّا، لنبقى بعدهم نفتّش في بقايا ذاكرتنا عن لحظات وجودهم فنسرقها ونزرعها في بقايا العمر.

الأحِبَّةُ... الأحِبَّة !!!

على حدود رحيلهم ينشطر العمر نصفين: نصفٌ يحملهم ويرسم حدّاً للفرح، ونصفٌ يستحضِرهم فيرسِمنا على حدّ الألم.

بين غيابهم وحضورنا، حكاية شوق لا تعرف نهاية.

من يَنجح، مَن، في جمع القلوب بعدما تسافر في برودة الموت داخل حدود الحياة الأخرى؟

***

أزرع في العين وجوهكم التي غابت في سفَرٍ موجِعٍ، فلا أحصد غير الدّمع.

بين شقوق الذاكرة أتسلّل إلى أيّامي معكم فألقاها صارت حكاية أخبرها لقلبي فقط كي لا أنسى.

أستلّ دفء الحاضر سيفاً أهاجم به برودة الماضي بحثاً عن ذكرى أفلتت من سجن النسيان، لعلّي بها أسترجع أصواتكم، وجوهكم، حكايتي معكم.

أيّها الغائبون وراء حدود القلب، كم يوجعني غياب قلبي عنكم.

سامحوا الأيام، كثيراً سامحوها. قريباً نلتقي.

***

تبدّلت الألوان. والأجساد الباردة انتقلت إلى زوايا أكثر برودة.

صار اللون أكثر سواداً. تصالحتُ مع الأزرق يعيدني إلى البحر، الى وساعة الفضاء مساحةً للفرح.

بين الأزرق والأسود مسافة زمنيّة استعادت كلّ الماضي وزرعتْه في الحاضر شوقاً بلا حدود لأمسٍ كان.

أمس كان العمر واحداً، وحين أشرق اليومُ لم يبقَ من الماضي غير الذكرى واللّون.

***

يشرق ألم جديد. يحمل بين طيّاته كلّ الذكريات، كلَّ الشوق إلى آلام أصغر، كلّ الخوف من آلام أكبر.

مع كلِّ صباح أرتشف حزن الغياب قطرةً قطرة. أفتّش عنكم لعلّي أجد، لكم، قطرة حياة في كأس الموت.

***

غريب كيف تتحوّل لحظات الألم إلى مدعوّين غير مرغوب فيهم، يحتلّون الأمكنة الشّاغرة، فتنبسط الأيام شرفة تطلّ على حديقة أشباح يتنقّلون فيها ساخرين من عين تفتّش عن اليقظة فلا تجد غير النوم سبيلاً للهروب.

***

تبدّلت طريقتي في الحساب. تغيّر أسلوبي في كافة العمليات.

كنتُ أحسبُ الوقت بالثواني، فصار الحساب عمليّة جمع معقّدة لسنوات الغياب الطويلة.

كثيراً توغَّلتم في التاريخ فصار إيجادكم رحلة زمنية توصل الى... اللامكان.

كثيرة سنوات غيابكم عن العين، وأكثرُ منها ثواني حضوركم في القلب.

ليتني أستطيع تغيير الثوابت، فأطرح من تاريخي سنوات الغياب، وأسافر إليكم في جغرافيا محدودة تحملني إلى تاريخكم.

***

عشرون عاماً، والجرح ما زال ينْزف.

عشرون جيلاً والقلب مقفلٌ على وجه يشتاق إليه، يسرقه من الذاكرة، ويستعيده خيالاً أبعد من الذكرى.

إليكَ، يا عمراً سرقه الغياب، ذات عمر، أكتب اليوم.

كثيراً اشتقتُ إليك! وأكثر أفتقد قوّتي بك.

ذات يومٍ كنتَ هنا. في زمن آخر كنتَ الفرحة التي - إن مددتُ يدي لألمسها – تشفيني من أحزاني وتركض بي إلى غدٍ آخر.

منذ رحلتَ، صار العمر حزناً، وهناً، وتساوت الأحلام والكوابيس.

منذ رحلتَ أنتَ، غبتُ أنا.

في ما مضى، كانت كلمةٌ واحدةٌ تبكيني. اليوم، أمست الأبجدية دمعة تسكن العين وتأبى الرّحيل.

منذ رحلتَ، يزور العمرَ بعضُ فرح مسكون بكل الحزن.

منذ رحلتَ، ألغيتُ كلمة "آخ" من قاموس الألم، كي لا تذكّرني بمن يشبهها و...غاب.

منذ رحلتَ اختُزِلتِ الفصول في واحد، وحُكِمَ على السنوات أن تحتَسِبَ الوقت المتبقي لي بعدك.

لا شيء، لا أحد، نجح في إلغائك من ذاكرة العمر الذي صار قبلك الـ"أنت"، وبعدك "الشوق إليك".

يااااااااااااااا أخي... كم اشتقتُ إليك.

... اشتقت إليك.

white%20roses.JPG