عودة العرين إلى الأسد –"خفَّة الكائن التي لا تُحتمل"

جمانة حدَّاد قرأها 6
  

"خفَّة الكائن التي لا تُحتمل" تصدر أخيراً في براغ، في نهايات الشهر الجاري، بعد صدورها الأول بالفرنسية عن دار "غاليمار" عام 1984.

قرأنا الخبر في وكالات الأنباء قبل بضعة أيام فكدنا لا نصدّق. ثم تساءلنا بذهول: أيعقل أن لا تكون رواية ميلان كونديرا هذه قد نُشرت باللغة التشيكية قبل الآن؟ هل كان على هذه الرواية التي تدور حول "ربيع براغ" ومرحلة القمع التي تلتْه على يد النظام السوفياتي السابق، هذه التحفة المتأرجحة بين الشعر والنثر، المنسوجة في إطار قصة حب استثنائية، أن تنتظر هذا الزمن كله لتكون في متناول القراء التشيكيين؟ هل يعقل أن يكون القارىء الأجنبي اكتشفها بفضل ترجمتها سريعاً الى عشرات اللغات، وأن يكون القارىء العربي استطاع التمتّع بها منذ عام 1991 (لدى صدورها عن "دار الآداب" في بيروت بترجمة عفيف دمشقية)، في حين أن القارىء التشيكي، المعنيّ بها أولاً وخصوصاً، لم يتحصّل عليها إلا الآن، سنة 2006؟ هل كان كونديرا يحتاج الى كل هذه السنوات من الانتظار والمرارة لكي يصدر هذا "الكتاب - الضمير" في وطنه، رغم مرور 17 عاما على انهيار النظام الشيوعي فيه؟
كدنا لا نصدّق الخبر، رغم انه ليس غريباً تماماً عن "رحابة" الأنظمة التوتاليتارية من جهة، ولا غريباً عن كونديرا نفسه، من جهة أخرى. فالمعروف عن هذا الكاتب أنه غير "معروف"، وربما غير محبوب كما يستحق أن يُحَبّ في بلاده. المعروف أيضاً أن عدداً محدوداً جداً من اعماله منشور في تلك البلاد، الى حدّ أن إحدى كبريات المجلات التشيكية عنونتْ مرّة، لدى صدور "فالس الوداع" في براغ عام 1997: "من هو ميلان كونديرا؟"، في حين أن موهبة الكاتب وشهرته يومذاك كانتا على كل شفة ولسان في الأوساط الأدبية العالمية. للذين لا يعرفون، فإن كونديرا كان أُبعد عن الحياة العامة في تشيكوسلوفاكيا سابقاً بعد الاحتلال السوفياتي لها عام 1968، فنفى نفسه الى فرنسا عام 1975. وبعدما جُرِّد من جنسيته التشيكية عام 1979، صار فرنسياً عام1981 . صحيح أنه عاد الى بلاده زائراً بعد اندحار الشيوعية عام 1989، لكنه لم يفعل ذلك مرّةً في العلن، بل كان دائما "يتسلل" إليها تسللاً.
طبعاً، ليست هذه المرة الأولى تصدر "خفة الكائن التي لا تحتمل" باللغة التشيكية، اذ دأب ناشر تشيكي مهاجر الى كندا على إصدار معظم أعمال كونديرا عن دار نشره في تورونتو (منشورات 68)، ومنها هذه الرواية بالذات عام 1985. لكن كونديرا عاود اليوم العمل على مخطوطته الأصلية وعدّل فيها بناء على تغييرات كان اجراها في النسخة الفرنسية على مرِّ عشرين عاماً، فضلاً عن كتابته مقدمة خاصة بطبعة براغ. هذا الخبر ليس نافلاً، فلكونديرا علاقة غريبة وجدلية بلغته الأم، علاقة شغف تراوح بين الحب والكره، حد أنه قرّر كتابة أعماله الأخيرة مباشرةً بالفرنسية.

"الروائي ليس فقط ذاك الذي يسحر قرّاءه ويمتِّعهم، بل هو أيضاً في شكل من الأشكال أبٌ يشرح لهم أسرار الحياة" .. بهذه الروحية، روحية شارح الأسرار، يكتب لنا "الأب" كونديرا، المولود في تشيكياً عام 1929، والمصاب برهاب الإعلام، حدّ انه يتفادى الظهور ويرفض المقابلات ويدافع عن عزلته بشراسة، رغم اتهام البعض له بأن موقفه هذا محض تكتيك "تشويقي" يصبّ في مصلحة التسويق الأدبي.

ترى، أيّ "أسرار" ستنكشف لقراء كونديرا التشيكيين اليوم مع صدور عمله هذا في براغ؟ هل يكون لـ"خفة الكائن التي لا تُحتمل" وقعٌ مدوٍّ في المجتمع التشيكي الحالي؟ أياً يكن الجواب، فإن كونديرا لطالما استكشف الطاقة الكامنة في الرواية، ولطالما بحث في قدرتها على أنْ تبيِّن المعاني المخبوءة أو المعقَّدة بطرقها الخاصة، على هامش الأدوات الفلسفية والسوسيولوجية والتاريخية. ولطالما، أيضاً، تأمل في الابداع الفني والطبيعة الانسانية وعلاقة التخييل بالواقع وراهنية الماضي وشكوك العالم الحديث وافتقاره الى أيِّ ثوابت. هو، نفسه، شاركنا خوفه وقلقه حيال "خداع التاريخ" وعجز الانسان المعاصر عن مواجهة هشاشته المتزايدة. إلا أنه يؤكد، إزاء هذا كلّه، قدرة الرواية على مساعدتنا في فهم ما يحصل، لأنها "تتيح لنا ان نخترق بطريقة دقيقة وصادقة روح الناس والاشياء والعالم". فهل تساعد روايته العظيمة هذه التشيكيين في فهم ما حصل في ربيعهم غير المكتمل؟ هل تمنحهم ترياقاً ضد خداع تاريخهم الحديث، وتتيح لهم طرد شياطين ثورتهم المجهضة؟.

العالم محجوب أمامنا، يقول كونديرا، يحجبه ستار من الافكار المسبقة والتأويلات الجاهزة والصور الخادعة والتجسيدات الكاذبة والكليشيهات التي تخفي طبيعة الواقع، "الخفيفة والكثيفة" على السواء. لكن دور الرواية، بالنسبة إليه، يكمن في تمزيق هذا الستار بغية ادراك بعضٍ من "حقيقة" لا يستطيع سوى الروائيين الحقيقيين والأصيلين جعلها في متناولنا.

"مَن هو ميلان كونديرا؟"، تسأل تشيكياً، لكنك جلّ ما تأمله لهذا النبي المكرَّم "خارج" أرضه، لهذا الأسد، الذي يعود عرينُه الضالّ إليه، أن يظل لغزاً جميلاً لا يبوح بحقيقته، الروائية والإنسانية على السواء، إلا ليكذّبها في ما بعد، والى ما لا نهاية.

fghjkliuytre87654.JPG