داء الألقاب

فادي الياس نصار قرأها 9
 

داء الألقاب

فادي الياس نصار

تتميز العلاقات بين البشر في بلدنا بانها في غالبها محكومة بالمصالح وذلك قد يعود في أحد أسبابه الأساسية الى الوضع الاقتصادي الذي مرت به البلاد في فترة ليست بقصيرة في نهاية القرن المنصرم, ذلك الوضع الاقتصادي نشأ عنه علاقات اجتماعية مريضة. لم تخدم التقدم الاجتماعي وساعدت في انحدار المستوى الأخلاقي عموماً. وهذه الحالة المرضية يقول فيها ماركس: بان(هذا النوع من العلاقات مريض, الا ان الحياة لا تتركه هكذا وانما تلبسه ثوباً أنيقاً لكن حالما تنتهي هذه المصالح يتفسخ هذا الثوب وتظهر العلاقات بشكلها الحقيقي القبيح). ولعل المظهر الأكثر انتشارا على سطح مستنقع تلك العلاقات المريضة هو التملق وإطلاق الألقاب والنسب على أصحاب المناصب وغيرهم ممن يستحقون ولا يستحقون ألقاباً كـ"أستاذ" و"معلّم" و"حكيم" و"سيّد" و"صاحب السعادة" و"السيادة" و"فنان" و"مبدع" وغيرها من الالقاب التي لاتجدها في دول العالم الأخرى. يكاد يخجل المرء اليوم من إطلاق صفة أستاذ على شخص يستحق هذا اللقب بكل ماتعني الكلمة, في وسط يظن أفراده, أنهم كلهم أساتذة بل ويحملون رسائل في الدكتوراه في مختلف مناحي الحياة. فالشخص الذي يعيش في فقاعة يظن أن العالم مرتكز برمته على أكتافه وأن الأمم تنتظر القرارات الصائبة التي سوف يتخذها ويظن أيضاً أن مركز الكرة الارضية يقع تحت قدمه اليمنى وأنه أفهم خلق الله بشؤون الدنيا والأخرة فهو مستعد لأن يناقشك بل ويغلبك في نقاشه حول أصل الأنواع وفرويد وكانط وهو يعرف عن بوذا والمسيح ومحمد أكثر من علماء الدين وضليع في الميثولوجيا والانتروبولجيا كما أنه يفهم بزراعة الشوندر السكري وكيف تجرى عمليات الطهور وكم يبلغ عدد سكان كوكب لم تكتشفه وكالة الناسا بعد وهو الطباخ والمعلم والشاعر والمغني والحداد الأكثر جدارة بلقب معلم والرياضي الأقوى والنحات الأبرع والموسيقي الأقدر والسياسي الحكيم والتاجر الناجح ورجل الدين الفقيه العالم وكل ماعداه من البشر هم لاشيء. ولعل ما يبرر هذا المرض قلة الوعي او ربما عدمه وبالتالي الابتعاد عن معرفة الذات والسقوط بما يسمى الفراغ الفكري والمنهجي، انتقالاً الى فقدان الرغبة في التغيير وعدم النزوع الى الارتقاء بالوضع القائم، والتأقلم والخنوع للواقع بمافيه من سلبية وذلك كله كنتيجة حتمية للأوضاع الاقتصادية وعلاقات الانتاج المتخلفة. لقد همش الإنسان في العالم العربي لدرجة أنه أصبح سلعة بل وسلعة تعاني الكساد في أسواق العالم (من الصعوبة جدا أن يحصل المواطن العربي على أي فيزا دون طلوع الروح وإن حدث هذا فإننا سنكون عمالاً نعامَل باستغلالية عالية ينظر إلينا على أننا قادمون من دول فقيرة إرهابية متخلفة). يؤكد صحة مقولة ماركس بان العلاقات الاقتصادية هي رافعة العلاقات الاجتماعية وأن تطور العلاقات الإقتصادية في مجتمع ما ستؤدي الى تقدمه حتما, ما آل إليه الوضع اليوم من انهيارات إقتصادية وأخلاقية عالمية ومحلية والطريقة المتوحشة التي وصلت اليها البشرية في إستثمار الإنسان لأخيه الإنسان، في الدول الأقل تقدماً وحضارة فيما يزداد العمل بإنسانية في الدول الاسكندنافية والبلدان المتحضرة الأخرى عملاً دؤوباً من قبل الحكومات والمواطنين أنفسهم وذلك للرقي بالكائن البشري لديهم قدر المستطاع الى درجة الإنسان الصالح الواعي الراقي. في وسط يكون فيه المرء محكوم بالمصلحة الشخصية بل ويعمل جاهداً على إعلاء المصالح الفردية على المصالح العامة, وفي المجتمعات التي تكون شخصية الأفراد فيه متماهية في حالة تامة مع المجتمع ككل إن لم نقل معدومة. تتأثر بالعام والدارج ولا تؤثر الا بطيف بسيط حوله يكاد يكون معدوماً يفرض عليك ان تنادي الفران والزبال والكوى باستاذ فلان والمبتدئ بالموسيقا بالموسيقار المبدع وطالب السنة الاولى طب بالدكتور والكاتب او بالأحرى المكتوبجي بكلمة الأستاذ الموهوب.....

هذا هو داء الألقاب الذي يعاني منه الشارع العربي عموماً والسوري خصوصاً والمجتمع الذي يكون فيه الأفراد عديمي الشخصية هو مجتمع عليل فالشخصية المستقلة المكتملة لأفراد المجتمع هي الدعامة الأساسية في بناء المجتمع بشكل سليم.

وأخيرا أسأل مالعمل اليوم لإعادة بناء الإنسان الذي هو غاية الحياة ومنطلقها؟؟