في ذكراه الخامسة والأربعين…فرج الله الحلو الشيوعي الحلم
يمتلك الظالمون القدرات الاقتصادية الهائلة، إضافة إلى أجهزة القمع، ويستخدمون أساليب الترغيب والترهيب، ضد المظلومين، بهدف الإبقاء على سيطرتهم، والتمتع بالعيش الرغيد. وعندما يدرك المنتجون والكادحون أن بحوزتهم سلاحاً لا يُفَلُّ، هو سلاح التضامن، ويستخدمونه، فإنهم يزيحون عن رقابهم نير العبودية والاستغلال. وفي تاريخ البشرية الحديث والبعيد، ومن ضمنه تاريخنا، شواهد كثيرة تثبت ذلك. رأى المتنورون العرب، في الأفكار الاشتراكية التي سادت أوربا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أمراً منسجماً مع الأهداف التي ناضل في سبيلها الصعاليك والقرامطة والزنج والبابكيون ومكملاً لها ولغير ذلك مما ضمه تراثنا النضالي.
لم يعد (شبح الشيوعية) يجول فوق أوربا فقط، بل صار يحلق فوق بلادنا. وبانتصار ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى، سنة 1917، ازداد توهج الأفكار الشيوعية ألقاً، فتأسست الأحزاب الشيوعية، في العديد من البلدان العربية.
تأسس الحزب الشيوعي في سورية ولبنان سنة 1924، وبدأت جذوره تضرب في أعماق أرض البلدين، ليصبح شجرة باسقة وارفة الظلال، كيف لا وقد غذاها ويغذيها المنتجون والوطنيون بعرقهم وبدمائهم!
تعرّف فرج الله الحلو على الحزب، وانتسب إليه عن طريق ناصر حدة وحنا النمر، اللذين كانا يدرسان في الكلية الإنجيلية بحمص، وكان ذلك سنة 1931.
أبصرت عيناه النور سنة 1906، في بلدة حصرائيل، من منطقة جبيل اللبنانية. وفي الثالثة من عمره هاجرت أمه وشقيقاه الأكبران إلى أمريكا. فقد شقيقه الأكبر عمله في أمريكا بعد الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، فانقطعت عنه المساعدات التي كانت تأتيه، وصار معيلاً لشقيقته الكبرى، فاضطر إلى ترك مقاعد الدراسة والبحث عن عمل، فوجده مستخدماً في المساحة بمدينة بانياس السورية، لكنه طرد منه بسبب دفاعه عن العمال الزراعيين الذين كانوا يعملون 14 ساعة في اليوم لقاء بضعة قروش.
التحق بالكلية الإنجيلية، ليعلم ويتعلم فيها، في السنوات من 1929 إلى 1931، وهناك تعرف على المناضلين حدة والنمر.
أسس منظمة حزبية في بلدته، ثم تفرغ للعمل الحزبي، فكلفه الحزب سنة 1934 بالعمل في منظمة حلب، وظل يقودها حتى سنة 1935. كما شارك في تحرير (نضال الشعب) جريدة الحزب السرية يومذاك. وأصبح في سنة 1935 عضواً في اللجنة المركزية.
تشكلت في بداية سنة 1937 قيادة حزبية جديدة، ضمته والرفاق: نقولا شاوي، وأرتين مادويان، ورشاد عيسى، وأصبح الرفيق خالد بكداش أميناً عاماً.
اضطر الحزب في سورية سنة 1959 إلى العمل، في ظروف السرية الشديدة، وكلف الرفيق فرج بقيادة عمل الحزب في سورية، والسعي لإنقاذه من الضربات المميتة، ولملمة جراح الحزب.
(أمسكنا بفرج الله الحلو!) عبارة نقلها مسؤولو المباحث إلى أعلى مستويات السلطة.
ألقي القبض عليه في أحد بيوت حي البختيار بدمشق الساعة الثامنة من مساء 25/6/ 1959، واقتاده رجال المباحث إلى أحد أوكارهم، في حي الروضة بالقرب من المشفى الإيطالي.
وفي التاسعة مساءً بدأ الجلادون يذيقونه أبشع أنواع التعذيب، وبعد ثماني ساعات من التعذيب المتواصل، توقف قلبه الكبير عن الخفقان!
أدرك القتلة فداحة جريمتهم، فنقلوا الجثة إلى مزرعة سامي جمعة (أحد المسؤولين الأمنيين) بالقرب من بلدة دوما، ودفنوها فيها، ووضعوا حراسة عليها.
أثار اختفاء فرج ضجة وقلقاً بالغين في سورية ولبنان، وفي كثير من البلدان العربية والعالمية، إضافة إلى الحركة الشيوعية العالمية. ووجهت شخصيات رفيعة المستوى مثل سوكارنو رئيس جمهورية إندونيسيا، وغيره، أسئلة حول مصير فرج الله، وكان الجواب: لا نعرف عنه شيئاً، ولم يدخل إلى سورية!
لاحظ حارس المزرعة بعد أيام سيارة تحمل لوحة لبنانية تطوف في المنطقة، فازداد الهلع في قلوب الجناة، وقرروا التخلص من الجثة. فذهب ستة منهم وهم في حالة سكر شديد، وقاموا بتقطيع الجثة، وحملوها إلى شقة وجيه الأنطاكي (أحد المحققين الصغار) في المزة، ووضعوا الأشلاء في البانيو، وصبوا فوقها أربع صفائح من الأسيد (حمض الكبريت)، وكانوا يحركونها بين الحين والآخر، وعندما تأكدوا أن العظم قد ذاب بالكامل أفرغوا البانيو من محتوياته!
في القرن العاشر للميلاد أمر المقتدر الخليفة العباسي، بضرب الحسين بن منصور الحلاج، ألف سوط، فإن مات قضي الأمر وإلا ضرب ألفاً أخرى، فإن لم يمت قطعت يداه ورجلاه، ثم يضرب عنقه. فنفذ به كل ذلك، ثم صلب، وفيما بعد أحرقت جثته، وذُرّي رمادها في يوم عاصف من فوق مئذنة أحد جوامع بغداد. وفي القرن العشرين ذوبت بالأسيد جثة فرج الله الحلو.
يجمع مؤيدو قتل الحلاج أن (زندقته) كانت سبب قتله!
كان الحلاج ولا يزال رمزاً للنضال، وستظل لعنة التاريخ تلاحق قاتليه.
تشكل في سنة 1961 مجلس عدلي، برئاسة العميد درويش الزوني، ونظر في قضية اغتيال فرج الله الحلو، وأقر القتلة بفعلتهم، وبخاصة الأنطاكي، وقالوا: وجه لفرج سؤالان فقط، لم يوجه له غيرهما طوال مدة التعذيب:
ـ لأية شقق أو بيوت، هي المفاتيح التي تحملها؟
ـ ما رأيك برئيس البلاد؟
قُتِلَ فرج الله الحلو بتهمة لا يستطيع قتلته الإعلان عنها، في حين أعلنها فرج مراراً وتكراراً في كتاباته، وفي التقرير التنظيمي الذي قدمه للمؤتمر الثاني للحزب المنعقد أواخر 1943 وأوائل 1944، فهو يقول:
(كان زمن جرد فيه المستعمرون على حزبنا هجوماً عاماً بكل ما عندهم من قوات القمع والإرهاب، بقصد تهديمه والقضاء عليه، وأرسلوا من أعضائه وقادته العشرات إلى السجون، ولكن ذلك لم يزد أعضاء حزبنا إلا صلابة في النضال، والتفافاً حول راية الحزب في الدفاع عن حقوق وطنهم وكرامة شعبهم).
(ولا يستطيع الشيوعيون أن يؤدوا رسالتهم السامية في خدمة شعبهم وتحرير وطنهم، إذا لم يعرفوا تاريخ نضال آبائهم وأجدادهم، وإذا لم يشعروا أنهم الورثاء الشرعيون لهذا التراث الغالي الذي خلفه الآباء والأجداد).
وقوله: (نستطيع القول أيضاً، إنه ليس من هيئة وطنية أخرى مهما عظم شأن القائمين عليها، ثابرت في جميع الظروف والأحوال، على رفع علم النضال الوطني عالياً في وجه الطغاة والمستعمرين كما فعل حزبنا الشيوعي).
(إن الشرفات الاحتكارية الأمريكية التي تريد السيطرة على مصادر الثروة الكبرى في البلاد العربية وعلى أسواقها، ترى أن أفضل السبل إلى ذلك هي دعم موقف الاستعمار الإنكليزي، ودلت السياسة التي أعلنها الرئيس ترومان، أن السياسة الأمريكية ليست سوى جزء من مشاريع التوسع الأمريكية في هذا الشرق العربي خاصة، والشرق الأدنى عامة).
وجاء في التقرير التنظيمي: (إن الحزب الشيوعي هو حزب تحرر وطني، ولذلك فلا يمكن أن يكون حزب جماعة أو طائفة أو فئة اجتماعية خاصة، بل هو حزب الشعب كله، حزب الأمة كلها، حزب كل وطني صادق مهما كان دينه ومهما كانت منزلته الاجتماعية).
و(نحن اليوم أرسخ قدماً في الحركة الوطنية وأثبت مكاناً، ووجهنا الوطني العربي أكثر وضوحاً وصفاء).
في الذكرى الثمانين لتأسيس حزبنا الشيوعي السوري، نتذكر ونقدر عمل الرواد الأوائل، الذين أرسوا اللبنات الأولى، في هذا البناء السامق، كما نقف بخشوع، ونحني هاماتنا لشهداء الوطن والحزب، وفي مقدمتهم الشهيد المعلم والقائد فرج الله الحلو.
وليس في الأمر مبالغة، إذا قيل: سيشاركنا إجلالنا وتقديرنا، كل اللاحقين من محبي الحرية، والمناضلون من أجل رفع السيف والحيف، عن رقاب المحرومين!
المجد لذكرى الإنسان فرج الله الحلو!