الحموية منهل السراج ثورة على الخطوط الحمر
في روايتها الشيقة نجحت الكاتبة منهل السراج بالدخول الى عالم العشاق وهموم الفقراء وأفراح المترفين، نجحت بالتجوال بالقارىء بين العائلات الحموية وجابت بنا في بيت الفنانين مرة برفقة كوثر الفقيرة المتدينة التي تبقى على مدار زمن الرواية صائمة.
ومرة مع مي الفتاة التي أرادت العيش على هواها في مدينة تتميز بانغلاقها تجاه تحرر المرأة ومرة مع خالد الفقير المعدم الذي يحدث بناته عندما يطلبن طلاء أظافر وأقراطاً بأن ليس أجمل من أصابع الفتاة نظيفة ولا هناك أبهى من وجه امرأة بدون حلي وأكسسوارات.
وريمة الصديقة الثالثة لكوثر وهي مهندسة معمارية تزوجت من رجل غني يؤمّن لها كل شيء مقابل ان تترك العمل وتركن لتربية الأولاد فتغرق في ثرثرات النسوة من المجتمع المخملي الأمر الذي أودى بحياتها الزوجية في النهاية.
نجحت الكاتبة وهي ابنة عائلة عريقة في حماة بالتصوير الدقيق لكل تفاصيل الشوارع والحارات وأبواب المباني والحارات القديمة المرصوفة بالحجارة وأقواس النواعير وبتصوير الحياة الحموية حيث يمتلىء قلبك بالفرح عندما تتكلم منهل عن الفرح وبالحزن والجزع عندما تتحدث عن الأم المتألمة لفقدانها زوجها وابنائها الثمانية في أحداث الأخوان وتشعر بأنك تتمشى مع الكاتبة في حارة جورة حوا الواقعة بين شارع 8 آذار وحيّ سوق الشجرة .
أسلوبها شيق.. بل وأكثر من ذلك هو مملوء بالصدق والحيوية فهي تكتب عن كل الأشياء التي نعيشها في مدننا السورية كلها تتحدث عن عادات البشر وعن أمور تكون فيها جريئة جداً أكثر مماهي عليه المسلسلات المكسيكية بوصفها لتدويرة الأثداء والخلفيات لدى بطلات رواياتها وعن الألبسة الداخلية وتفنّن النساء الحمويات بإثارة غريزة أزواجهن في الليلة الاولى للزواج وعن الجهل في الحياة الجنسية لدى طيف واسع من فتيات المدينة وذلك كنتيجة حتمية للخجل والخوف ولغة التواصل المدمَّرة بين الفتاة وأهلها.
وهذا ما نجحت في رسمه عبر ظاهرة (كوثر) التي تعرضت لحادثة اعتبرتها نقطة تحول وهي ان جلس الى جانبها شاب في باص النقل الداخلي وألصق فخذه بفخذها فكادت تموت من ذلك الشعور الغريب أسفل البطن فشعرت بعدها بالذنب.
بطلات الرواية فنانتان تشكيليتان(كوثر وميّ) ومهندسة عمارة (ريمة) ولكن أكثرهن جمالاً ونجاحاً كانت مي بعينيها الخضراوين وجسمها المثير وشعرها الكستنائي الذي جعل منها فاكهة شهية لدى أهل السوق من الرجال وحديث مثير لدى نساء المدينة وخاصة بعد أن تعرّت مرة في بيت الفنانين رسمت ورقصت على أنغام ياني، الشيء الذي يسبب فضيحة كبيرة ويدفعها للسفر الى السعودية لتتزوج رغماً عنها دون ان تعرف الحب. تزوجت من رجل لم تحبه وأدت فروض العمرة معه ولكن شعرت مرة أن عشقها الأزلي المتجسد في الألوان والرسوم قد هجرها فتصاب بالخيبة لتقع بالصدفة في حب شخص تقابله أثناء أداء فروض العمرة فتعود الحياة إلى قلبها
وتتملكها رغبة بتلوين كل ما هو أبيض وأسود ابتداءً من الكعبة وأرض السعودية وعباءات الرجال والنساء.. فكل شيء في السعودية كان أبيض او أسود لا ثالث لهما.
في نهاية الرواية تطلق مي زوجها وكذلك ريمة وتعودان إلى البيئة المنبت حيث الطبقة الوسطى بألوانها الواقعية لتتلذّذا طعم العمل والتعب.
تمتلئ الرواية بكلام عن التزمت الديني والعادات والتقاليد الحموية الخاصة جداً.
الشيء الأول في الرواية وأكثر ما يجذبك للقراءة هو الصدق في التعبير وتجاوز كل الخطوط الحمر في حديثها عن الجنس, الفقر, الإمتاع, الشهوة, السياسة, القهر, الحب, الحلال والحرام, الدين, الفوارق الطبقية, وأمور حياتية أخرى ترسمها ضمن لوحة تشكيلية متناسقة الألوان والمساحات.
في دعوة صريحة منها تعمل منهل السراج في روايتها على بث روح الثورة على كل ما هو ضد المرأة أو ضد الحرية الشخصية في مجتمع يئنّ تحت نير الخطوط الحمر والعادات والتقاليد البالية.
الأمر الثاني الذي أودّ الاعتراف به أنني وفي منتصف الرواية قررت أن اذهب إلى بيت الفنانين للسؤال عن ميّ لأن تأثير الأسلوب وروعة السرد أودت بالعقل الباطن وجرّته للاعتقاد بأن الأحداث جرت بالفعل في حارات حماة.
تحية الى منهل السراج التي تستحق عن جدارة لقب فنانة الحياة الحموية وسيدة الكلمة الجريئة لتجعل مؤلفاتها منارة في ظلمة هذا العالم المختل.
حماة تحبك يا منهل لأنك ابنة رائعة.