حكايات العسقلاني - نشر الوجه
حكايات العسقلاني
نشر الوجه
غريب عسقلاني
قامت الطوشة في الحارة القبلية، رمى مجنون حجراً في البئر واندفع مئة عاقل لإخراجه دون جدوى، وكالعادة توارى المجنون كائناً من كان "رجلا أو صبيا أو امرأة" صاح من صاح، وجاح من جاح، وحدث الهبش والنبش، وسقط من سقط، وانطلقت صيحات التفزيع، وصار التجييش والتجميع، وانخطف الدم من الوجوه وتحول إلى لطم على الخدود، سال الدم ووقع القتل، وانتشرت الرداحات والنواحات، وتنادى المخاتير والوجوه لمنع الشر، وانطلق أبو الدبعي لتسيير الجاهات قبل أن يستجير الناس بأصحاب البنطلونات والكرفتات، الذين يضيعون الحقوق تحت ستار القانون، ولا يفشّون القلوب، ولا يطفئون الدم الفائر في الصدور، ما يجعل الرجل يصوم أربعين عاماً ليأخذ حقه ويعيد لشرفه اعتباره ومقداره.. فالأعراف لها أصولها، والعادة على ما اعتاد عليه الناس، فإذا وقع القتل انعدم التفتيش، ومن سال دمه له الحق وهو الطالب، ومن طالت يده ظالماً كان أو مظلوماً عليه الحق وهو المطلوب حتى جده الخامس والعياذ بالله.
صاح أبو الدبعي على زوجته:
- ناوليني عباءة الجوخ يا وليّه
استعاذت من كل الشياطين، وبصقت في عبها تطرد الشر، فالطوشة حامية وعباءة أبو الدبعي ستبذل قصارى جهدها لوقف الشر، فالقتيل كبير حمولته ولم يصمد أمام جروحه.. عبثاً حاول أخذ وجه منع الشر، وقبل أن تصل الجاهة بيت المغدور كانت منازل قد أحرقت، ومتاجر نهبت، ومزارع دمرت، ففوعة الدم تبيح ما لا يباح، وتستبيح ما لا يستباح، وعلى الطرف المطلوب أن يخلي جميع الساحات، ولما كان الأمر أسرع من قدرات الناس، حصلت الاشتباكات ووقع قتيل آخر من الطرف الطالب وازدوجت المصيبة على الطرف المطلوب، الذي كان بواحدة تنوء بها الجبال، فأصبح باثنتين لا يرفع أثقالهما غير الواحد القهار. طُردت الجاهة مرة ومرة، ووردت وفود البنطلونات، ورقص الشر، لفّ أبو الدبعي العباءة حول وسطه، ولوح بحطته وعقاله وصاح في الناس:
- يا أهل المروءة، الدم فايع والعقل ضايع، والبلاد داشرة، والنفوس نافرة، والوقت لا يساعد، والعباد مش طايعه، لازم أخذ الوجه مهما كلف الأمر.
رد عليه مختار الحارة الشرقية:
- الرأي يا أبو الدبعي؟
- نشر الوجه على الطرفين واللي يكسر ملحوق من الجميع.
- أين الرجال تحطهم بين الحمولتين والكل يطارد وراء رزقه؟
وقعوا في حيص بيص، حتى جاء من يخبرهم أن الشرطة فرضت نطاقاً على الحارة القبلية وطلبت من الجميع التزام البيوت. قال أبو الدبعي:
- إيش فَهَّم البوليس في هيك مسائل
****
بعد صلاة العشاء فحّ أبو الدبعي، ونفخ على قوات الشرطة.. ماحكته أم الدبعي:
- طيب اسكتي.. واحده ناقصه عقل، إيش عرّفكِ بالعوايد، نادي على الدبعي الكبير؟ - راح يودي إبريق شاي للشرطة.