عزف على الوتر الثامن – 1 -

غريب عسقلاني قرأها 918

1 - قطة

مثل قطة بللها المطر رقدت في حضني، لعقت شعر صدري، فتدفأت وتمطت وقوست ظهرها فرحا.. وتسللت من حضني لا ادري إلى أين قلت:
- أن أنتِ!
- اتبعني..
ودخلت الحلم ابحث عنها، لم أجدها، وعندما صحوت، رأيتها تجلس على طرف الوسادة صامتة تعد نبضي قالت:
- أنت بخير حبيبي؟
- أين كنتِ
- في وريدكَ، امشي مع نبضك حتى غفوت، وخرجت اقطف الابتسامات عن شفتيك وأزرعها في حديقة الدار.

2 - مجمرة البخور

ذات ليلة كنا نسير، نذرع الطرقات نبحث فينا عن سرنا.. مرة أردفها على خاصرتي، ومرة تحملني مرسوما بين عينيها.. ونواصل مشاغباتنا حتى حان ميعاد تفتح نوار اللوز وتشقق قشر البيض عن زغاليل العصافير، لاح لنا عند ناصية رجل عجوز يحمل مبخرة، تسبقه قرنفلة تراقص عود نعناع مزحوم بالعبق..
أشعل العجوز المبخرة تحت قدر مقدس.. هتف:
- اسكنا القدر ومرا بالاختبار.
فجأة صرنا عاريين داخل القدر، نمارس دهشة ساحرة لم ندركها من قبل، فيما العجوز يغذي نار المبخرة بالقرنفل والنعناع والخزامي وزيت الليمون والبرتقال، حتى وصلنا إلى رجفة الشوق انصهرنا.. لا يمسك الواحد منا صاحبه، ولكنه يراه فيه..
أوقف العجوز تلقيم نار المبخرة، وهتف:
- هيا غادرا القدر.. وواصلا..
وخرجنا نواصل المسير لا ندري إن كنا روحين لوجه واحد، أم نحن وجهين لروح واحدة.. فهتفنا:
- ما الذي حل بنا!!
علق العجوز القرنفلة قرطا في أذنه اليمنى، وعود النعناع في اليسرى واخذ يرقص حول المجمرة وغني
- هل أدركتما سركما؟!


3 - حلول


الحاء
علقتها على المشنقة سبع مرات بسبع حبال ولم تمت، فنسلت من روحي وترا وعلقتها على المشنقة.. ضحكت وقالت:
- هل نسيت يا ظلي أني إن متَ! أنت تمت؟!!
اللام
أعطتني ثلاث وردات هذا الصباح صارت ثلاث أوتار
لم يكتمل النغم!!
سحبت من صدرها وترين، وسحبت من صدري وترين، فصدحت الجوقة بسبعة أوتار
وكان النغم
وصار بيننا قوس قزح!!
من يصدق أن أغنيتي جاءت ذات الصباح ملونة بألوان قزح
الواو
بحثتًُ عني لم أجدني..
خبأتني في ضفيرتها، فنما ريش عصفوري.. وقبل أن أطير حبستني بمشبك شعرها، فغنيت
داخل الضفيرة..
ولا زلت حتى الآن أغني
اللام
أخرجتني من صدرها، أطلقتني ريحا من عصافير تغني
من رأى منكم السماء مطرزة بالعصافير، يدلني على عصفورة صامتة، تبحث عن طفل الشوق الذي ضاع منها ومني، يا إله الشوق أعنها على جفاف الوقت.. وأعني..


4 - موت الظل

واتفقنا بعد سجال طويل أن تصبح ظلي، وانطلقنا نستقبل شروق الشمس عند البحر، كان البحر يهجع في غفوة راحة، والهواء مشبعا برائحة الطمأنينة.. قالت بمكر:
- أين أقف منكَ؟!
- ليس لكِ خيار..
- هذا استبداد، سأكون على يمينك.
خرجت الشمس من الشرق قرصا برتقاليا فرحا.. نظرت إلى يميني لم أرها.. ناديت:
- أين أنت؟!
جاء صوتها حزينا منكسرا:
- قذفتني الشمس خلفك!
وتعرينا نستقبل الدفء، ونتصبب عرقا حتى الثمالة.. صارت الشمس في كبد السماء ترشقني بسهام على أم رأسي، استغثت بها:
- ظلليني يا امرأة..
لم يصلني صوت، تلفت خلفي، لم تكن موجودة، فاعتقدت أن الشمس عاقبتها بالانصهار، وعاقبتني بالوقوف تحت عمود النار.. وبقيت أندب حظي.. حتى إذا مالت الشمس نحو الغروب هبطت لا أدري من أين جاءت.. صارت أمامي:
- أين كنتِ؟
- كنت في الموت بضع لحظة وعدت..
ومضينا نذرع الشاطئ، وهي ترقص أمامي، وكلما حاولت اللحاق بها تفر مني.. وبقينا في اللعبة حتى كان الغروب، فاختفت من جديد..
وقبل أن يصعد القمر إلى كبد السماء، خرج من الموج ظلان راحا يرقصان على الشاطئ.. فشهقنا معا:
- من يكونا!!
                                      ***
تعب مني عالم الفيزياء وملَ.. لم يستطع إقناعي بتكوين ظل للظل في غياب الكائن.. ضحك العالم من غبائي أو قل سذاجتي:
- وهل غاب الكائن؟
وأعطاني منظارا وطلب مني النظر للسماء.. حيث كانت نجمة ترقد في حضن هلال..