مقام الانتظار - قصة قصيرة
مقام الانتظار
قصة قصيرة
غريب عسقلاني
"جالسة، في ركنها الأثير تنتظر، تسْرح معمياه النهر يأخذها الشوق إلى المصبّ.. كل نهر له نبع.. له مجرى يحضن بين دفتيه مايحمله الماء من أسرار وحياة، وهي الواقفة عند نبع الذكريات.."
– 1 –
ما الذي يُبكيكِ!! مرجل الشوق بعد أن سرقوا جذوته!؟ أم جفاف عيون الأريج في غدد الرحيق؟! ومن الأسبق فيكِ! عاصفة الشوق، أم روح الرحيق؟؟ هل تدلّيني، وأنا المحبوس قي قمقم الغدر قبل ميعاد رياحي، أقرأ في كتاب الحزن كلمات منقوشة بحناء أصابعكِ النحيلة.. لو تعلمين.. انكِ صرت وردة الوقت، بعد أن أسروني في قارورة دلقوا منها نبيذاً حلبته امرأة من ضرع دالية، ما زالت تسكن خاصرة الكرمل، صارت القارورة قمقمي، ألقوها في قاع البحر الغويط..
من يخرجني من الماء إلى فضاء أرض الله.. فأنا لا زلت أحيا الوقت محطات سفر.. لا تأخذك الظنون بي.. فأنا ما زال يأخذني الغياب كلما زارني الحلم، ورأيت لعنة الوقت في عينيكِ دمعاً ينهمر.. تنزفين الآه بعد الآه على وجع الانتظار... ماء جرحك بلورة في عتمة الحال تشع.. تحمل فتى ذَرّوه في وجه ريح عاصفة سَحبت من ضرع الفقد حليب الشهوات.. وأنا ما زلت ألعق ما تبقى من طعم النبيذ يأكلني الخدر.. إني وشمتك على قلبي فراشة، فصار قلبي قنديل فرح.. ودخلت بكِ مقام الانتظار.
– 2 –
من عاش مثلي، داخل قارورة سقطت في غابة المرجان، هل تحمله يوماً شبكة صياد عجوز أفنى عمرة على أمل اصطياد أرجوانية، تخبِّئ بين حناياها اللؤلؤة.. حتى كان يوماً، ظهر فتى من بني الماء، لعبط حول القارورة، رقص على ذيله شبقاً، وأخبر وليفته عن امرأة تقف عند منتهى تيار المياه الدافئة، تذرف الدمع بلورا، وأخبر عن صياد يغزل من خيوط الشمس شبكة صيد!! فصرّحتُ من داخل القمقم: - أما المرأة فهي من تنتظرني، فماذا عن أمر الصياد العجوز يا أمير الرقص؟! لم يسمعني المائي وتركني مع حيرتي، وانطلق صعداً مثل سهم ضوء إلى سطح الماء.. ما الذي في الأرجوانية يشبهكِ؟ هي بعض الطيف، وأنتِ جديلة ألوان قزح! وما الذي في المائي يشبهني؟ هو الطليق، وأنا الأسير!!.. ها هو الماء يضرب جدار القارورة ينفذ في خاصرتي وجعاً، هل خذلتك الظنون..؟ وهل ما يصلني وشيش الماء أم همس عتاب؟ قدري يا سيدتي أن أكون الأسير.. وأن تكوني الطليقة الأسيرة، وأن نعيش الانتظار..
– 3 –
طالت الرحلة يا صاحبتي، وأنا ما زلت في القارورة يُعَتقني الغياب، يأخذني الماء إلى حيث يريد.. كلما اشتقت إليكِ أفتح بوابة الأمس، أبحث في عينيكِ عن كوخ كان لي، يحميني من لفح الصيف، ولسع صقيع الشتاء.. وأفيق، فلا تكوني.. ولا يغمرني العبق.. حتى بقايا نبيذ الدالية نفذ من خياشيم الوقت.. لم يعد يزودني بالخدر.. وأروح في غفوة مفتعلة إلى غابة المرجان.. أشهد فقس بيض حوريات الماء، عن عرائس، يرضعن الشهوات منذ بداية تكوين اللون، وحتى ذروة الشهد في صدر الوليف أنتظر من يأخذني إليكِ لا أنا يونس.. ولا لاح طيف الحوت.. ليس لي غير طائر المواعيد، يخرج من صدري إليكِ.. وطائر الشوق.. دوماً على سفر!! حط على شرفة قلبي يوما.. نقش على صدري وجهكِ.. ومضى.. لم ينتظر فقدحتُ صوان الفقد على حجر العطش.. وَمَضَ الشرر، فحضرت يا أنتِ، والوقت بين عينيكِ مصلوباً عند ميلاد الفجيعة.. ورقصتِ فيَّ على جرحٍ لم يبرأ منكِ ومض الشر.. وبقيتُ في لجّة الموت وحدي انتظر أن يلوح لي طيفكِ.. فيعقبه مطر..
– 4 –
وجاء في الحكاية: ".. أن الأرجوانية لاذت فراراً إلى غابة المرجان بعد أن اغتالوا فتاها، وأنها صامت عن البيض ورقدت على قارورة ملقاة بين الشعاب، وفي الميعاد انشقت القارورة عن أنسي، امتطى ظهرها إلى سطح الماء.. وعندما لاحت للعجوز، راح يرقص طرباً، فيما المرأة شاخصة ترنو إلى بطن موجات بعيدة.. تتأمل كيف تنتهي الأمواج إلى رغوة قتيلة..
سألت الصياد العجوز:
- هل تعلمني الصبر؟
- الصبر حياة يا ابنتي!!
وأخذها على صدره، مسح دمعة قبل أن تحفر مجرى على صفحة الخد.. قال:
- الدمع إذا انفرط على الوجه خؤون
وراحا ينظران إلى صدر البحر.. كانت الأمواج أفراس متسابقات.. يلهثن، سأل العجوز:
- هل يَلُوحْ لكِ؟
- يطل من عب الموجة.. ويغيب
- هي الأرجوانية آتية لا ريب
فجأة عاريا شق العجوز الماء وقف عند مكسر الموج.. لوّح في الهواء ألقى بالشبكة اقتنص هامة الموجة.. هتفت المرأة:
- هي الأرجوانية في حضن الشبكة!!
سحب الصياد شبكته إلى الشاطئ بطاقة شابٍّ يافع، وألقى بها عند قدمي المرأة، فخرجت منها عروس ماء أرجوانية، جلدها مثل حرير غزلته عذارى الفجر، وقفت على زعنفة ذيلها صارت قامتها بطول المرأة.. صارت امرأة راغبة، دلقت من ثدييها نبيذ دالية عتيقة ممزوج ببخور بكر/ فاح البخور سحابةً أرجوانية/ صارت السحابة ريح وداعة وقبول، وخرج من بطن الماء أسراب من عرائس البحر رحن يرقصن على أديم البحر.. لاح على البعد سرب عصافير بألوان قزح.. قبّلت السمكة المرأة واختفت، وتركت خلفها قارورة فارغة.. هتف العجوز:
- انظري هناك..
كان ثمة رجل يحمل بين عينية وجه صبية، يمتطي السحابة.. يغسله العرق..".
***
كان يعشق معها عرق التمر، ترتشف من كفيه بعض نبيذ الدالية، وكان النادل في ليالي الصبابة مصباح علاء الدين.. ها هو النادل هامساً يسأل:
- ماذا تشرب سيدتي
- فقط بعض ماء
رجع النادل بطبق من فضة خالصة، انطبع عليه وجه الفتى، وعليه كوب ماء زلال، وجديلة من تمر الرافدين، وعنقود من عنب الناصرة.. شهقت المرأة:
- هل حضر؟!!
ريب