جوارح الليل .. قصة قصيرة

غريب عسقلاني قرأها 879
  

جوارح الليل ..

قصة قصيرة

غريب عسقلاني

والوقت على بعد شهقات من الموت في غزة.. ظهر في شاب في بهاء اليسوع وصرامة ابن الخطاب.. قيل أن أجمل جميلات المدينة والجوار، غادرن خدورهن على عجل، وتبعنه عاريات رافعات أثداء عامرة بالشهوة والرغبة، حتى وصلن إلى رابية من رمل محروق، تطلّ على البحر، أشار لهن بالتوقف عند سفح الرابية، وواصل صعداً إلى القمة.. مسح المدى بعينيه، وشخص شمالاً نحو عسقلان، فلاحَ في الأفق طائر النورس الأبيض.. حلّق الطائر فوق الرابية، ودار سبع دورات قبل أن يحطّ على كتف الفتى، وأخذ ينظر للجميلات تارة، وإلى أمواج البحر تارة..

قال الفتى: - ما حاجة الجميلات..

هتفن متوسلات: - أن نستبضع منكَ.

-       اللعنة..!! وفحولكن؟

-       بذرَونا الدم والوهم، وأجنة البوم والغربان، وأهازيج النواح..

-       تيمّمن بتراب الرابية وادخلن الصيام حتى أعود.

طار النورس باتجاه عسقلان، وانشقّ جلد السماء عن برق ورعد، وأجهض الغيم عن مطر من دم حيض أسود، وحاصر الجند المكان، وعلقوا النساء من جدائلهن صيداً مجانياً لجوارح الليل.. ولم يمر طويل وقتٍ، حتى تناقل الناس، الحكايات عن فريق الآثار المكلف بالتنقيب عن غزة المطمورة بفعل الحرب، وأن الفريق عثر على أكثر من غزة مطمورة تحت الأرض، ووجد أكثر من رابية قوامها الرمل المحروق، وأنه ما زال ينبعث من الرابية التي وقف عليها الفتى إشعاعات من بقايا مقذوفات القصف الأخير، وقيل أن أعضاء الفريق انقسموا إلى فريقين. فريق يصرّ على تجريف الرابية لكشف المطمور تحتها، والثاني مع دفن الماضي وعدم التجريف، حفاظاً على البيئة وجماليات المكان، بعد أصبح الرمل المحروق ثروة سياحية تجلب الصدقات.. لكن الطرف الآخر حسم الأمر قبل أن يتحول موضوع الرابية إلى موضوع استراتيجي، فأرسل سرباً من قاذفات إف 16 جعلت الرابية أثراً بعد عين..

وقيل أن الفتى ظهر بعد القصف في ذات المكان محاطاً بأرامل الشهداء، يستعطفنه الاستبضاع وقد أجهضن أحمالهن، فصرخ: - أنها اللعنة

وصعد الفتى إلى السماء.. واللافت في غزة هذه الأيام، أنه كلما غاب القمر، يظهر وجه الفتى في مكان ما يطل على البحر، وفي كل مرة يتذكر الناس حكاية العجوز العسقلانية والجميلة التي تتهيأ للطقس بعد كل قصف..

سألت الجميلة: - متى يعود الفتى؟

رقصت العجوز على آخر أصبع في قدمها، وأخذت الجميلة إلى صدرها.

قالت: - أرهفي السمع يا شقية..

سمعت الجميلة صوت شجار وصراخ وسجال.. قالت: - ما الذي اسمع؟

-       بعض ما يجرى من حوار بين تموز وآذار..

بُهتت الصبية على ذهول، وأخذت تنظر إلى وجه العجوز مرة، وإلى البحر مرة.. فرأت البحر حزيناً والعسقلانية ساهمة عند برزخ بين ذهاب العقل وحضور الجنون، صرخت: - متى يعود الفتى؟

-       عندما يتمخض الحوار عن قرار.

-       وإذا لم..

-       تعلقي والجميلات من ضفائركن صيداً لجوارح ليل طويل!!