حكايات العسقلاني – عند المفترق
حكايات العسقلاني – عند المفترق
غريب عسقلاني
عند المفترق.. عند المفترق،
ومع الإشارة الخضراء دهست السيارة طفلاً, هرست قصبات عظامه وعجنتها مع لحمه القليل, لم تتريث الإشارة عند الدم النازف فانقلبت إلى الحمراء, اختفت الجثة في صندوق سيارة الإسعاف التي أخرجت لسان زامورها للإشارات والناس والشرطة, فهي البيضاء التي لا تحمل خبراً أبيض. في المستشفى: شهق الإخصائي وغطى الوجه الحليبي الصامت, رشقته الممرضة المرافقة وقلبت شفتيها مرتين, مرة لتداري ضحكتها من صوته الناعم الذي لا يتناغم مع بوزه النكد "اللي يسمع غير اللي بيشوف", ومرة لتداري دمعة على جارتها وأطفالها الخمسة بعد أن احتج أبوهم على إغلاق البوبات القريبة والبعيدة وانتحر بالسكتة القلبية أو الجلطة الدماغية سيان, وسيان هذه أطلقها الإخصائي لفض خلاف نشب بين طبيبين متدربين حول سبب وفاة الرجل.
- الرجل مات بالجلطة أو السكتة سيان
في مركز الشرطة: قدم السائق رخصة السيارة ورخصة القيادة وبطاقة التأمين ضد الحوادث وتلا إفادته بهدوء:
- عند الإشارة الخضراء انطلقت سيارة حمراء تقودها سيدة شقراء, وفجأة تمدد الطفل على الإسفلت فلم أتمكن من تفاديه رغم سلامة الفرامل..
وشهد على الحادث طفل يتأبط كيس مناديل ورقية أفاد:
- مسح زجاج السيارة فنفحته السيدة خمسة شواقل, لوّح بها متباهيا فرحاً برزقه، ورقص مزهوا فانزلقت قدمه على الرصيف ووقع.
سأل المحقق:
- هل كانت الإشارة حمراء أم خضراء.. تذكر..
رد الطفل ببراءة:
- هي دائماً خضراء لهم وحمراء علينا.
في المنزل: حدث الإخصائي زوجته عن طفل هرسته سيارة, واسترسل في محاضرة عن لين العظام وفوائد الحليب والبيض في بناء العظام.. تسللت الزوجة تعالج مكياجها في محاولة لتغيير جو الأمسية، وعندما عادت كان زوجها قد وصل إلى أسباب هشاشة العظم وتساقط الأسنان, فتشت في التلفزيون, فأطل ضابط الشرطة يتحدث عن أهمية شبكة الإشارات الضوئية في تنظيم المرور, اختفى الضابط وظهر مسؤول الشؤون الاجتماعية وتطرق لظاهرة التسول والمسلكيات المتحايلة للأطفال مثل بيع المناديل الورقية والعلكة وكتب الأدعية عند المفترقات.. اهتزت الشاشة وأضاءت عن خبيرة حقوق الإنسان التي اعتذرت عن التأخير بسبب الازدحام واختناق الطرق, وتحدثت عن القوانين التي تحظر عمل الأطفال.. في المخيم: شوهدت سيارة حمراء تقودها سيدة شقراء, توقفت عند فوهة الزقاق, هبطت السيدة وأوصت طفلاً بحراسة السيارة ومسح الزجاج.. في بيت العزاء اتجهت نحو امرأة عجفاء جفّ الماء في مآقيها, أخرجت من حقيبة يدها ورقة نقدية ورقية دستها في يد العجفاء وغادرت صامتة..
عند رأس الزقاق كان الطفل الحارس قد مسح زجاج السيارة, لكنه لم يمد يده لأخذ القطعة النقدية التي أخرجتها من حقيبتها الأنيقة.