خطيبــة البـاشـا - حكايات العسقلاني

غريب عسقلاني قرأها 8
 

خطيبــة البـاشـا

حكايات العسقلاني

غريب عسقلاني

حدثتني جدتي عن مغامرات صباها وصفاء أحلامها, قالت: خطبوني لابن الباشا الذي كانوا ينتظرون عودته, فانتظرت أّودع النهارات وأسهر مع النجوم, وانقطعت عن المراعي والحقول, أتجمّل للقاء العريس, أجمع نوّار اللوز والعنّاب, أشكّ عناقيد الفلّ والمنثور وأفرطها مع أزرار الليمون والبرتقال وبعض الشيح والنعناع, أصنع منها عجينة أُدلك بها جسدي, وأشد جلد وجهي، أبعد عن عينيَّ الذبول, وبقيتُ الأبهى بين الصبايا, ورحتُ بين الناس مثلاً.

مضى عشرون حولاً ويزيد, تزوجتْ خلالها بناتُ جيلي وأنجبن صبيانا وبنات, وصرْن جداتٍ يتغزلن بأمومة ثانية حول أسرة الأحفاد, وأنا باقية على نضارتي وبكارة روحي, فتجاوز الناس عن يوم مولدي, فأنا عروس لا تنال منها الأيام, حتى جاء يوم وقفت فيه القرية على ساق واحدة, ونشطت رفيقاتي وبناتهن وحفيداتهن يطفْن على الحقول وحدائق الدور يجمعن البراعم والورود الجورية التي أُحب. دقت الطبول ووقفتُ تلفُّ جيدي عناقيد الريحان والنعناع, وتغطّيني الأزهار, كنتُ عارية إلا من ثوب الورد

***

توسط العريس الموكب محاطاً بأبي وأعمامي وأخوالي, وعندما اقتربوا انحنوا ودفعوه إليَّ, سألته: - أنتَ الباشا؟ وتخطّته عينِي إلى شبان الحي, الذين يهزجون ويطلقون البارود, داعبتني الأغاني, وتفتّحت براعم على جلدي, تسربت جذورها إلى مساماتي ومضت عميقاً في طبقات جسدي, انتشرت فيَّ حتى لامست روحي, فأصبحتُ حديقة وعاشرني الأريج حتى الذروة، سألته:

- هل تراقصني؟

- ليس أمام هؤلاء.

- هل تحرث الأرض؟

- أعرف كيف أسوط الأُجراء

وضعتُ في كفه باقةَ فلٍّ.. قلتُ:

- هل تعرف هذه البراعم؟

- أمن حقول أبي جئتِ بها؟

ترعرعت حديقتي, وتشابكت جذورها وفروعها, ولم يعد عريسي يرى جلد بطني, ولا عرف الدروب إلى كهوفي.. تاه عن جداولي وجدائلي, فيما شبان الحي يصهلون ويصدحون..

رفيقة صباي وضعت حفيدها على صدري هتفت:

- عَمّدي حفيدي يا عروس

هدهدتُ الرضيع ناغيته..  نام على ابتسامة خرجت من ثغره, صارت وردة جورية هبطت على الأرض بيني وبين الباشا، حاول اقتلاعها كانت قد ضربت في الأرض جذورها وانتصبت شجرة عفية تتفتح براعمها بشوق، قلتُ:

- هل رأيت كيف تفتّحت عيون الطفل؟

حاصروني.. أبي وإخوتي وأخوالي وأعمامي:

- ما الأمر! خذي يد عريسك الباشا..

- كنتُ أظن أن الباشا...

صمتت جدتي, وأخذت تقرأ الأسئلة على وجهي, قرصتني وقالت:

- وصحوت من الحلم الجميل يا فتى. ومضت تدق الأرض بمعولها الصغير, تهيئ مرقدا لبذور الورد في ظل نخلة الدار..

***

عندما تنمو البذور وتدفع قشرة التربة, تناجي جدتي هامة النخلة حيث تغفو زغاليل طائر الخُضير بانتظار تفتح الورد.