أهلاً بكم على متن الوطن
أهلاً بكم على متنِ الوطن
سوزان ضو صايغ
صباح الخير وأهلاً بكم على متنِ الوطن.
نرحّب بجميع الذين استقلّوا أرضه في رحلتهم الأخيرة.
أهلاً بكم على متن الوطن.
هنا تجدون كلّ ما أنتم بحاجة إليه للقيام برحلتكم الأخيرة: لدينا انفجارات بمختلف القياسات، فاختاروا الشارع الذي تريدون المرور فيه أو الإقامة في أحد أبنيته وبقرب أي مسؤول، لنبلغكم مسبقاً عن حجم الإنفجار الذي سيقضي على بقايا الحياة فيكم.
في غرف الوطن جوع لمختلف البطون، واحدٌ للذين اقتنصهم الفقر وسوء الحال (وهم، على فكرة، الأكثرية)، هذا الجوع يحمل الرقم واحد، وهو الأبشع.
حضرة الرّقم واحد يزور بيوت الفقراء، وما أكثرها، يختار وقت زيارته بحسب مزاجيته، يأتيهم أكثر الأحيان ليلاً، يسرق النوم عن عتبة جفونهم، يؤرّقهم، يكسر ساعات نومهم، يختصرها، ويطلق العنان لصراخ معداتهم الخاوية.
أمّا الجوع الذي يحمل الرقم اثنين، فهو فخامة الجوع الخارج إلى الضوء من حمية البطون المُتخمة.
هذا الجوع زيارته على الموعد، يحمل معه أطباقاً أنيقة، تُشبِع ولكنها لا تُسْكِتُ صراخ المُتخَمين الصامت، نعم يصرخون بصمت، فالضجيج بالنسبة لهم: عيب.
أهلاً بكم على متن الوطن: هنا تجدون غرفة للأفاعي، تلدغ في أيّ وقت كان، تسمّم الصغار، تُحَوِّلُ أحمر دماءهم إلى أبيض، يختنقون وهم يلعبون، والمبكي غير المضحك، أنّكم في حال حافظتم على بعض الحياة في شرايينهم حتى بلوغ المستشفى، لن تجدوا اللقاح و... شكراً للوطن.
في الغرفة المجاورة لحديقة السّموم المنتشرة بلا رادع، غرفة للعقارب أيضاً، لا، ليس عقارب الساعة التي تشير إلى الوقت، بل العقارب السامة التي تقضي بلحظة على ما تبقى لنا من وقت، إن كنّا نعاني من حساسية ما، والمبكي، غير المضحك أيضاً، أنه لا لقاح لها أيضاً إلاّ في وسط العاصمة (وهذا غير مؤكّد أيضاً) والمعروف أن عجقة العقارب هي في المناطق النائية وليست في العاصمة حيث عجقة السيارات، إذن، هنيئاً لمن يصل إلى وسط العاصمة بعد أن يستفرده العقرب بلسعة.
أهلاً بكم على متن الوطن في رحلته المنطلقة بكم إلى أدغال اليوميات المتربّصة بأنفاسكم وبقايا الحياة فيكم.
لكم القرار في أن تستقلوا الرحلة الأخرى المتوجّهة من الوطن إلى خارجه للحياة، أو تلك المتوجَّهة إليه...للموت.
سامحونا... عاشت الأوطان.