سيرة العائلة - 2
|
2 من 2 الحلاَّقمَن ينسى رنينَ مِقَصِّه يُسلِّي نفسه ويقصُّ الهواء! كرسيَّه الملوكي مَسْنَد الرأس المتحرِّك مرآتُه الكبيرة: تُرْبكني رائحةُ عطره الرخيص وفوطته البيضاء! مَن ينساه !؟ صلْعتُه اللامعة ثرثرتُه في خبايا الحارة خُبْثُ نظراته تجوْلُ في الصدور نهمُه: نَشمُّ رائحة الطعام في مِعَدِنا دورته حول رأس الوالد ينبَّهه لقلَّة شَعر الصَّبي ويبتكر له الأدوية لمستُه الحنونة على الرأس حركةُ خيطه ينْتُفُ شَعر الخدّ موسى الحِلاقة يتمنى الصَّبي أن تلامسَ ذقنَه نُتَف الشَّعر تدخل في فتحة القميص: تشوِّكني ماكينة الجزِّ تدغدغني فرشاته تطرد بقايا شعري المقصوص يأخذني الوالد إلى صالونه مشعثاً .. مرتبكاً فيعيد ترتيبي ويبني صورتي على هيئة الملاك ظهيرةمنهَكون في قيلولة الصيف: الصَّبيُّ وسْط الغرفة منكبٌ على كراريسه يستعصي عليه إيقاظ الربيع في وظيفة الإنشاء والعمَّة تحت شبَّاكها مشغولة في مصروف البيت تعدُّه على أصابعها وتعيد حسبته والجدُّ في الأعالي غارقٌ في الحكايا يخلِّص عنترة من أسره كي يدبِّر مهرَ عبلة والملائكة على أكتافنا اليُمنى تسجِّل حسناتِنا وملائكة الكتف اليسرى تُحْصي السيِّئات اللهصباحاً - في غفلةٍ عنّا - تفتح الباب وترنو للسَّماء تناديه وترجوه ليحفظ قوَّة الجدّ ويطيل أيامه في الحياة ويحمي الوالد في غيبته ويعين الصَّبي (يهدِّىء نفسه) تسأله حوائجها ويرافقها في يومها تبدأ باسمه الطعام وتذكرنا أن نحمده فنحمده تستغفره – ونزوات الجد تغضبها – وتستنجده: يا رب _ عكازاتها في النهوض _ ليشفي آلام مفاصلها و العمَّة تخشاه .. (أرى ارتجاف سُبابتها في الصلاة عيناها باكية ويداها مرفوعة للسَّماء) تأتمنُه على البيت في غفوة الظهيرة يحوطنا ويرعانا يساعدها باسطاً _ من حولنا _ طمأنينته في الهواء. زيارةمساء الخميس نصعد إلى المقبرة على أكتافنا الأغصان الخضراء في أيدينا الماء الذكريات تهيِّج أرواحنا وعيوننا تفيض بالدمع ونعود من القبر فارغين إلا من الحياة ! أشباحتغطِّيني العمَّة تمنحني رضاها _ في حضنها أغفو_ و حفيف صوتها في الحكاية يوقظ أشباح الليل من رقدتها فترشح من خابية الماء وتنسل من خيوط البساط وتنفذ الغولة من ِبلَّور الشباك تركض في الجدار معولة يُفزِعُني بريق عيونها الخضر ورنين ضحكتها فألفُّ نفسي بالغطاء لأطردها (والعمَّة تفهمني ..) تخبِّئني فيه وتحميني وتطردها .. الوالديدخل الوالد الآن يُفزعني ظلُّه ويُفسد لعبتي يؤنِّبني .. كيف أهملتُ الوظيفة ! هل أخطأت في الإملاء !؟ جدول الضرب لم أحفظه !؟ وراوغتُ في قسمة عشر تفاحات على عشرة أولاد وأكلتُ أكبرَها .. الصَّفراء ! يشدُّني من أذني ويبكيني _ والعمَّة تفصلنا .. تخلِّصني من يديه وتحضنني _ ويعود في المساء يده على كتفي تطمئنني يلوِّن سهولي في دفتر الرسم يعلِّمني مكان الهمزة بعد الياء يده على كتفي كم قبَّلتها !؟ كم عاونتْني في الحياة ! شـيطنةتغيب العمَّة في صلاة العصر و تطلقني _ مرغمة _ من يديها تتابعني أنطُّ إلى دالية الجيران أعضُّ مخمل خبيزتها الأخضر وأُفسِد فُلَّتها وصوتُها يعلو في آية القرآن يؤنبني ويرجوني أغافلُها في سجدتها راكضاً أطارد اللُّصوص في الهواء ألوِّن الغسيل وأكسر خابية الماء بعينيها تحرسني و .. تربكني وأهوي إلى الأرض فتهرع _ من صلاتها _ تُنْجدُني أغيبُ فيها و تغيبُ فيَّ مرآةعالية نتسلقها فرادى نلتمُّ فيها نساررها فتفضحنا يبصر الجدُّ في بلَِّورها احمرارَ عينيه وتخفي العمَّة أيامها فيها تلوِّن أحلامها وترسم للصبي شاربيه .. مطمورة أيامنا تمشط أحلامنا فتبعثرها الحياة وداعيكبر الآن الفتى يبزغ شارباه ينأى عن طفولته وتنْبتُ له الأجنحة وحده يمضي ساهماً يوصد – على شقاوته – الباب ويتشيطن في القراءة والكتابة يزور الجدَّ – إلى قبره – يحمل الآس ويقرأ على روحه الفاتحة يشاجر الوالد يـشـاكســـه و يعصي وصاياه يودِّع العمَّة يبكي في حضنها (فردوسه المفقودة) يقبِّل راحتها (فضائلها في روحه) ويحن إلى أمسه تحت سلطانها .. و ينأى حاملاً أحلامه ملوِّحاً لأيام العائلة .. ( . . . . . . . . . . . . . ) أخرجُ من هذه القصائد لا كما دخلتها غيرتني كتابتها، وأنا أنحني على سبيكة العائلة مجنِّداً روحي لصياغة هذه الأساور والخواتم والأقراط من معدنها الغالي، وأسلُّ من الهواء حيطان الدار ونوافذها وأبوابها، وروائح البشر الذين منحوا ذلك المكان والزمان عطره الخالد. أنهيتُ تطوافي وما خلصتْ ذاكرتي. بقي لدي الجوهري الغامض، ما لم أتمكن من اصطياده بشباك اللغة، ما تخفق اللغة عن إحاطته و التقاطه من أزلية الزمان لتجمده في صورة ثابتة. في خشوع أنحني على أيدي الجد والوالد والعمة أقلبها، وأقدم لها الطاعة، أنتظرها تمر على رأسي في حنان، وأنتظر مباركتهـا ورضاها، تفتح أمامي الطرق، وتذلِّل الصعاب، تقف إلى جانبي كي لا أخاف أو أتراجع أو أجبن، وتمسكني حتى لا أنساق أو أنحني للإغراء. لديها من القوة والتأثير ما جعلني أشعر بها إلى جانبي طيلة ثمانية وعشرين عاماً حاضرة مسيطرة. أوصِد باب البيت، أغلق نوافذه، وأسدل ستائرها المطرزة وأخرج .. ليس من مكان يحميني ويحنو علي كما فعلت جدرانه وسقفه الخشب، وليس من نافذة فتحت الأرض أمامي وبسطتها لعيني وخلصتني من عمَاي إلا نافذته. أحمله معي وأبنيه في روحي. ألجأ إليه لأستريح .. خيمتي أشدها إلى الأرض لأتقي العواصف. أحمل كلماتي وأسافر إليه، أقرؤها على مسمع من ترابه، و أنتظر الإذن .. أمضي إلى قبر الوالد أرتلها وهو في عرشه الأرضي ينصت لي، وفي حضن العمَّة أُنهي مسيرتي وألمح دمعها يقدِّم لي أقصى ما رجوته من كتابة هذا الكتاب. لم يعد لي ما أرجوه .. وأنا أغلق الصفحة الأخيرة فيه. سيِّئاته لي، وحسناته من فضائل العائلة، فيه أيامي وأحلامي ووصيتي، وسـأكون في غاية الامتنان لو وَجد يداً تمسكه بحرص على أنه سيرة لبشر وعصر ومكان. أرتجَّ الباب و .. أمضي. كتبت هذه القصائد خلال عام 1989 |
