حنا مينه... عذراً لن ننفذ الوصية
حنا مينه... عذراً لن ننفذ الوصية
غادة اليوسف
أطال الله في عمرك.. مع أنّه لكلّ أجلٍ كتاب إلا أنّ آجال المبدعين لا يحد آفاقها غير ما انداح في ضمير الكون من فيض أرواحهم.. وما رحيلهم إلاّ انبعاث ممعن في الحضور..
مبدعنا الحبيب حنا مينه .. وأنت خير من يعرف أن الأحبّة إذ يرحلون يشدّون وتر الحياة صوب نبض حضورهم العصي على الغياب.. وما رحيل الشاعر محمود درويش عنّا ببعيد.. ذلك الرحيل الذي أترع كأس الأرض شعراً سيبقى يمغنط لحظاتنا ما بقي جسده يتماهى بعطر ترابها ويدخلنا في بلبلة افتتان المجاز بالواقع وانبهار السماء بالأرض التي ازدهت باحتضان ذلك الجسد الذي انسكب في عروق القدس حارساً لقداسة قدسها.
كتبت وصيتك المنشورة في جريدة (تشرين) تطلب فيها ما لن نقدر أن نفي به.. وإن فعلنا فهل نكون أوفياء لحنا مينه؟! بل هل نجرؤ؟ وكيف لنا بعدها أن نقترب من البحر؟ ماذا سنقول لحنين المرافئ وتوق الصيادين في زمن قمريّ ينبعث من بين سطورك أساطير عشقٍ وتوحّد؟ وهل سترضى النوارس والشراع المشاكس وهو يمخر لجج الأمنيات متحدّياً عواصف الأيام؟ وهل يرضى لهف المآقي على شطوط الانتظار؟ وإن فعلنا، فهل نجرؤ بعدئذ أن نطأ الرمل الذي يختزن ذاكرة خَطْوِ بحّار مجنون وأنفاسَ عاشقةٍ في ليلة عاصفة؟! ماذا سنقول لزكريا المرسنلي؟ وكيف ستقبل الشمس أن تدخل بعدئذ من نوافذنا تشحذ خطانا باتجاه صبح عارم بالحياة، وتبثّ في أوردة راقص الخنجر لياقة العضل وليونة المفصل، ليوقظ الأرض النائمة بعبقرية رقصه المجنون؟ ألن يغادرنا الثلج ويبقى يومنا غائماً وينكسر بياض الأبنوسة وتسودّ زرقة المصابيح؟ وهل لو فعلنا ستبقى بقايا الصور تتماوج فينا وهي تنسج حكايات الماضي والحاضر؟!
عذراً حنا مينه.. لن ننفذ الوصيّة فما أنت مُلْكُ وحدك بعد أن تخارجت روحك وانداحت في العناصر الخالدة.. بل ستحملك هاماتنا وأكفّنا المضمّخة بالحنين إلى فضاءات رسمتها ريشتك المبدعة، وأرّختْ لزمن بحريّ حقيقيّ.. سينبعث في موكب مهيب يستمطر أرواحنا في يوم غام برحيلك.. وسيمطرك بحراً فوق البحر وتلتقيان معاً كما كنتما دائماً في حقيقة واحدة ويمتدّ وجهك فوق الماء.
لن نقدر على تنفيذ وصيتك.. لأننا لا نجرؤ.. فكلّ الذين أبدعْتهم طيّبين وعشّاقاً مغامرين ومشاكسين وأشقياءَ لا يقيمون وزناً إلاّ لوصاياهم وقد صرت منهم الجسد والروح.. وسيشيّعونك بكلّ أبّهة وعلى وقع موسيقا الغجر ورقصة الخنجر وأغنيات البحارة وشهقات العاشقات على الرمال الدافئة في ضوء القمر.. سيشيعونك إلى قلوبنا مكلّلاً بالبحر.
اقرأوا أيضاً
الروائي السوري حنا مينه ينشر وصيته ويرفض إقامة تأبين له
**