تلـك الأيـّـام
تلـك الأيـّـام
غادة اليوسف
يمضي بنا يوسف سامي اليوسف إلى عوالم رواية سيرة ذاتية ترتقي إلى فنّ التأريخ وصدقيته، متوهّجة بحرارة الشعر، تفرد صفحاتِها لحياة طفل فلسطيني اقتلعته يد الجريمة الصهيونية من قريته، وألقت به بعيداً عن ترابه في مخيمات القهر. بعد أن حوّلته لاجئاً يعاني مايعانيه الشجر المقلوع من عطش وغربة.
كرّس اليوسف صفحات الجزء الأوّل للسنوات العشر الأولى في فلسطين منذ ولادته عام 1938 في قريته (لوبيا) القريبة من طبريا حتى طرد منها بقوّة السلاح، فيخلّد صورتها، وكيف رأى بيوتها تتهاوى تحت نيران الصهاينة لتتحوّل إلى حطام بعد عراك بين قوّةٍ حقٍّ عزلاء، وأخرى مسلّحة بالباطل، فيعرض تفاصيل الأرض، والعادات، لتحويل المكان إلى (رمز مقدّس).
يتشبث بالمكان الأول الذي لم يعد موجوداً إلاّ في ذاكرته، بوصفه القيمة الأصيلة الوحيدة. وذلك لصيانة تفاصيل الحياة الفلسطينية التي عاشها قبل النكبة وخلالها وبعدها، لحفظها من النسيان: (إنّ لوبيا سوف تبنى من جديد في المستقبل، مع أنه لا وجود لأيّ شيء يسوّغ هذا التفاؤل. ولسوف يعمل التاريخ على توليد اليوم الذي لن يفلت فيه الصهاينة من العقاب ولو بعد ألف سنة. إن الصراع على أرضنا يدور منذ أكثر من مئة عام من أجل الأرض، وهذا الاهتمام بالتفاصيل هو آية على أننا ألصق بالمكان من تلك الطفيليات التي أتت إلى فلسطين مدّعية بأن كومة من الخرافات هي حجة كافية تهبهم الحق في تأسيس تجمّع لهم على أرضنا التي يزعمون أنها أرض أجدادهم).
ويتحدّى اليوسف الصهاينة أن يبرهنوا على أن فلسطين كانت وطناً لهم في طور من التاريخ. إن الجزء الأول من (تلك الأيام) مختص بالمكان الفلسطيني بتفاصيله الكثيرة، وأسمائه، وأهله، وسجاياهم، ماحسن منها، وماساء، عاداتهم، طقوسهم، ملبسهم، مأكلهم، أغانيهم. ويفرد للأعراس صفحات طوالاً، ما يشير إلى ندرة ماتبقّى من فرح في عالم اللجوء والاقتلاع، ينهيها بحسرة حارقة، واتهام لكل من ساهم في قتل الفرح في وجدان الفلسطيني.
تنبع أهمية هذا الكتاب من أنه رحلة في الذاكرة إلى أيام النكبة 1948، وما شاهده الكاتب بعين الطفل من إرهاب ذهب بأرواح ألوف الفلسطينيين الأبرياء. إنه توثيق للمجزرة التي بدأها الصهاينة ولم ينتهوا. ويؤكد اليوسف: (ينتابني على الدوام شعور بأن المكان الأول (لوبيا) لم تعد مكاناً خالصاً في وعيي، بل صارت زماناً راسخاً في الوقت نفسه. فهي طفولتي بقدر ما هي وطني، وبذلك غدت صورة عُليا، ومصبّاً خيالياً من الأشواق تندفع بين الفينة والأخرى باتجاه البرهة الابتدائية التي صارت أشبه بفردوس مفقود). إذن هذا الكتاب هو شهادة، ورسالة إلى الأزمنة التي لم تولد بعد.
في الجزء الثاني يستهلّ سيرته الذاتية بإهداء إلى الحميم الغائب، فتصل به اللوعة إلى حد القول:
(كلّ شيء يخلّ بواجبه تجاه روحي بعد ما حصل في فلسطين، فجيوش العالم وقواها تكاتفت لخدمة إسرائيل)، ويؤكد أن الغيتو الصهيوني نبع من آبار النفط العربية، وأنه سوف يجفّ يوم تجفّ تلك الآبار التي كانت نقمة على العرب أكثر مما كانت نعمة. ويسخر بمرارة من الغرب الذي احترف المجزرة ونهب خيرات الشعوب بعد ذبحها، حين يسمّي نفسه:( العالم الحر).
(إن على الشعوب أن تُنهَب وتُذبَح بصمت، يتنطّحون لمقاومة الإرهاب! إذ يعدّون أنّ من قاومهم في سبيل حقه إرهابي معادٍ للحضارة والحرية). يسرد اليوسف صورتين متوازيتين: أولاهما لحياته الشخصية، وسط أسرته المشرّدة، وثانيتهما للعالم. فيستذكر أيام الجوع والبرد: (ما من عاقل يلوم الفلسطينيين لو أنهم فكروا بإطفاء الشمس التي تبثّ حرارتها وأنوارها على المجرمين والأبرياء دون تمييز).
بمحاذاة تلك الصورة يسرد الصورة الموازية لمسار التاريخ المعاصر، وأحداثه العالمية الكبرى في الفترة ما بين 1948 و1975، وهي الفترة التي أشعلت الأحلام الوطنية والأممية في آنٍ معاً، تلك الأحلام التي انطفأت تحت وطأة الانهزامات الكبرى إقليمياً وعالمياً. إذ يتوغّل الكتاب في الكثير من التفاصيل التي طالت حياة الفلسطينيين، في تلك الفترة التي كانت تنوس بين التفاؤل والإحباط بتأثير من انتصار هنا، وانكفاءٍ هناك، وهم يرتجلون خطوهم النضالي على طريق فلسطينهم، وسط ظروف عربية وعالمية مضطربة، فيقف بموضوعية على ذلك الموران، وبخاصة تلك المفارقة التي عاشها الشعب الفلسطيني التي تمثّلت بطموحات وأوهام تجاوزت ما كان لديه من طاقات.
في الجزء الثالث من سيرته يتحدّث اليوسف عن تجربته الكتابية بشيء من التفصيل، كما يتحدّث عن مثبّطات الكتابة وعوائقها في هذا الطور التاريخي المتطرف في تأليه المادة، وجعْلِها وثناً معبوداً على سطح هذا الكوكب المسكين. فالكتّاب في هذه الأيام يعيشون منبوذين كأنهم في المنفى، لا يقام لهم وزن: (ولكن لماذا أكتب ما دامت الأمور قد بلغت إلى هذا المبلغ من الصفاقة والبؤس؟! إنّ لي جملة غايات من هذا الفعل الذي أراه واحداً من المناهج التي اعتمدها الروح كي يتخارج إلى العلن، وذلك مع أنه لا مردود له سوى الإعياء وتكديس الأعداء. أما أبرز هذه الغايات فهي: أن النفس البشرية شديدة الميل إلى البوح. وأرغب في الالتقاء بفسحة للحرية من شأنها أن تسمح لي بممارسة نزعة الخلق التي هي من سمات الإنسان. فحيثما كانت الحرية كان العقل والابتكار، وحيثما كانا كانت الحياة أصيلة وعميقة).
ويرى أن الطور الراهن الذي فار فيه النفط ليس طور كتابة ولا طور آداب.
يسرد حياته الخاصة، أسفاره، والمواقف التي جابهته بسبب هويته الفلسطينية، ما يدلّ على أنّ إسرائيل والصهيونية هي روح الشر المنبث في العالم. وهو مهموم بالكوارث المتفاقمة التي تجري دون أيّ مسوّغ كاف من شأنه أن يسوّغ هذا الشر الآخذ في الاستفحال، حتى يكاد المرء أن يعتقد بأن ما يحدث عياناً هو شرّ من أجل الشر. ولهذا، لابدّ للعقل من صحوة.في هذا الجزء صفحات شديدة الثراء حول تجربته المعرفية، التي ابتدأت منذ نزوعه المبكّر للاطلاع، وميله إلى الأدب والشعر خاصّة، ثمّ إبحاره بين لجج الفكر المتلاطمة قديماً وحديثاً، غرباً مادياً، وشرقاً روحانياً.وقد اكتشف الصوفية في أواخر الستينيات، فغاص عميقاً في الفكر التصوّفي:
(إن الإنسان ليس حنيناً إلى موجود مركزي وحسب، بل هولهفة تندفع وتطفر صوب الأعالي والنائيات، إنه شوق لاعج يتوجّه إلى مفقود حميم لا معنى للدنيا من دونه قط. وهذا الحنين واللوبان الملتاع الملهوف على المفقود، هو الوجد الصوفي فيما أحسب وأخمّن).
تجربته الصوفية تتناغم مع نزوعه للانعتاق من إسار جسدٍ يحدّ من اندفاعه باتجاه اللامحدود والسرمدية.
(كلما توتّرتْ رغباتي أو جمحتْ، تَلَهّبَ خيالي وتوثّب، فصار قوّة اجتياح لا تأبه بالعوائق والحواجز، وعندئذ أرى الشفق الصوفي وهو يلوّن كلّ شيء. إن غاية الحنين الصوفي الذي نجهل ينبوعه ومصبّه هو طي الحجب عن مقلة الفؤاد لتعاين الأنوار الخالصة من كل هيئة، وتعبير عن حاجة الإنسان إلى ما يتخطّى عجز المادة وبلادتها، لإنجاز الكمال الذي من شأنه أن يجعل الإنسان كائناً أنقى من شعاع الشمس. ويرى أن التفكير بالصوفية على هذا النحو يجعل منها صنفاً من أصناف فقه النفس التي تحدس ولا تعرف، ما يقرّبها كثيراً من الأدب والفن. ويؤمن بحق الصوفيين في الاختلاف والمغايرة مع السائد باتجاه عالم آخر يفتحه الكشف والرؤيا، وإن كان هذا الاختلاف ذا نتائج وخيمة )صلب الحلاج، قتل السهروردي الحلبي، سلخ ابن مشيش وهو حي، اعتقال ابن عربي في مصر...إلخ ). وله في هذا الجزء مواقف ونظرات تخلص إلى أن الشرق هو من أنجب الفكر العميق وأنّ الغرب بأعظم مفكريه وفلاسفته ما كان إلا مقلّداً وناسخاً لما تسرّب إليه من عرفانيات الشرق، ويضرب أمثلة مثيرة: عن هيغل وأسبينوزا وما مَتَحاهُ من فكر ابن عربي، وأمثلة أخرى كثيرة فيها من الإثارة بقدر ما فيها من الجدّة. ويرى أن الوعي هو الذي يوقظنا على بؤسنا وشقائنا، ويرى في العقل سرّاً يبحث عن الأسرار، وهو محدود لارتطامه بأسوار الأسرار المستورة الغامضة، ولكنه نفيس وجليل لقلقه في البحث عن المعرفة، وهو تحفة وهبتنا إياها الطبيعة وإن كان طاقة منهِكة.
في موقفه من فلاسفة الغرب يرى أن شُبنهور أعظم الفلاسفة الألمان لتشاؤميته حيال الوجود. ويرى في الدين خير السبل المؤدية إلى العمق، إذ إن له وظيفة ترسيخ القواعد التي تجعل الحياة مستتبّة، وهو نتاج الباطن الجمعي أو الكلّي.
يخلص اليوسف في الجزء الثالث إلى أن المدينة بتأليهها المال، وتقديس رموزه، وتهميشها للفنون الأصيلة ومن ضمنها الأدب قد انحطّت: (إنّ المدينة لابد لها أن تكون منحطّة حين يكون أديبها مهجوراً منبوذاً).
المرأة عند اليوسف هي: (نداء عميق، إن لم يكن أعمق النداءات قاطبة، وذلك لأنه يتدفّق من عالم المستورات، وحنين الرجل إلى المرأة هو نفسه حنينه إلى جنّة عدن المفقودة). وأمّا (أمل) فهي المرأة التي تنبض في روحه وتجسّد له الجمال والصفاء وبرهة الخلاص من يُبس الحياة، فيضفي عليها من السجايا ماتراه عين روحه، حتى ليحسبها القارئ مخلوقاً أثيرياً غير متجسد في كثافة أخلاط الجسد.. وقد يختلط الأمر على القارئ وهو يرنو إلى وصف اليوسف لـ (أمل) بأنها ترميز لبرهة وجد صوفية تومض وتغيب ويندر أن تتكرّر.
اللغة لا تنطق بذاتها، وإنما ينطق بها أهلها، فإن تغيّروا تغيرتْ، وهذه لغة المكان الموّار في ذاكرة لا تشيخ. تغدو الكتابة في (تلك الأيام) هي الخوف من الانتهاء، دافعها أن يصل الصوت إلى أبعد ما ينهيه الموت. الكتابة هنا تثير في القلب عواصف الذكريات، وتهيج فظائع الوقائع.بسبب الصهاينة الذين هم لعنة حلّت بالعالم، والذين لا حياة لهم بلا جريمة، هؤلاء الذين أتوا مدجّجين بالأكاذيب والأسلحة وموروث القهر، ليقهروا غيرهم، وكانت فلسطين هي الضحية.
(تلك الأيام) سفر حرقة الغريب عن دياره وعن ذاته.. وترجمة سفرٍ كهذا إلى لغات العالم خطوة تختصرالكثير من الجهود لشرح حقيقة ما جرى في فلسطين. وهذا ما يجعل ترجمته واجباً إنسانياً ومعرفياً ووطنياً بامتياز.