ياغايْبين ارْجَعوا

غادة اليوسف قرأها 6
 

ماذا يحمل عيد الأمّ، سيّدُ الأعياد لأطفالٍ سلب اليتمُ  طفولتَهم, وسرق منهم ألقَ كلّ عيد؟

وأيّ وجع يسكبه في حضن منْ غيّبَ الظلم أبناءها سَجناً وتشريداً وقتلاً؟

فلمثلِ هؤلاء تفرش مساحات البياض أجنحتها, وينحني لباذخ حزنهم الكلام.

ماذا يحمل العيد لأمّ ادّخرت الأرغفة والأغنيات, وتُركت وحيدةً ترنو إلى شمسها المحتضرة مَنْسيّةً, تجثو على شواطئ الرحيل, ترتّل أسماءهم صلاةً تصل شفاه البوح بسماء لا تملّ النذور, وعيناها على شرفات الحنين تغتسلان بحلم الرجوع, وما من شيء يعزّي يُتمها, وما من حضور يزيل الغياب, ولم يبقَ غير أوردة مقطوعة مكشوفة للأنواء والريح تنزف صوب خطوهم. تلوذ بالأغنيات, وأيّ أغانٍ ستسعفها, وتردّ عنها عويل الأبواب التي تنوح في قفارها الريح؟!

وأوف.. و (يا غايبين ارجعوا ..)

صِلوا غُدرانَكم بعذوبة ماء البدء, واغتسلوا من زيف أعياد المدينة..

عودوا إليّ عراة من هداياكم.. فلا ورداً أريد ولا عطراً ولا شال حرير..

وأيّ ورد يقدر أن ينضّر جنّات روحي؟!

وأيّ شال سيغطّي صقيع أيّامي الباقيات؟!

يستجيب إلهُ المدينة.. فيرجعون في يوم افتعلتْه المدينة عيداً لتكفّر عمّا سرقته من البراءة.. تزغرد الأبواب لمَقْدَمهم.. وتشرع الأمّ أمداءها... يضيق صدرها بالهدايا التي تجثم بينها وبينهم، وقد حملوها مبتهجين بوهْم ترميم تصدّعاتها: ورد مشنوق بحبائل حرير السوق.. وعطور مكفّنة بالورق المصبوغ بكيمياء المصانع.

تزيح ـ اختناقا ًـ ما حملوه.. وتتنفّس بأصواتهم أنسام البيت العائد بعد غياب.. تزاحمها عليهم ساعةُ المدينة.. فيختلسون النظر إلى عقارب الوقت.. يسحبون أصواتهم ورائحتهم ودفء البيت ويغادرون.. يختفون كومض حلم خاطف.. وتبقى هي وسط العجز, والصمت, والعراء, مصلوبة على خشبة انتظار آخر.. تكفكف دمعها بمنديل: (أبناؤكم ليسوا لكم.. أبناؤكم أبناء الحياة.. والحياة لا تقيم في منازل الأمس).. تزيح هداياهم المشتراة بعيداً إلى غور النسيان.. وتعود إلى كنزها الأثير ترمّم بنفائسه تصدّعات غيابهم.

تنشر على سرير القلب لُقاها الباذخة: بقايا أشلاء لعبة عبرتها طفولتهم يوماً.. عجَلَة صغيرة كبؤبؤ العين لسيّارته المهشّمة.. رأس دمية ما يزال نديّاً بقبلات وأغنيات طفلةٍ أرهقت الزهرَ فتنتُها.. نتفٌ من دفتر المدرسة.. فردة حذاء لفّ قدمه الصغيرة ذات طراوة قبل أن تتضخم وتطأ أهداب العمر .. حرير شعرات اختبأت في مشطٍ ذات صباح مدرسي منسيّ.

تَلُفّ لقاها الأثيرة وتخبئها بِعُبّ الحنين.. دون أن تدري أنّها أشلاء عمرها الموزّعة على أفراح خطواتهم.. تتّكئ على وسادة تختزن بقايا رائحتهم.. تتشمّمها لتختزن لروحها مؤونةً لصقيع وغربة شتاءٍ آخر.. وعلى مهلٍ تُندّي روحها وهي تستعيد البيت والعيد بصدى أصواتهم ووجوههم وينوح الرجاء على شبّابة الوجد:

لا تتركونيعلى موحش العمر وحدي..

يا غايبين ارجعوا..

النور