محمود درويش يخجل من دمع أمه
محمود درويش يخجل من دمع أمه
يوسف الجادر
ها أنت ذا تنسحب بهدوء من فضاءك الشعري، ومن جدلية الأبيض والأسود، وتترك (ريتا ترتب ليل غرفتنا)، وتضيع خلفك أطنان من الحروف والحبر والأوراق البيض، تتبع ظلك الممتد في عواصم العالم، يا أيها الكوني مثل الشمس، والمشتول على كتف الأقصى وأسوار كنيسة القيامة. كان للموت حقيقته ليأخذك قبل أن تكمل نشيد إنشادك والمزامير، وتترك الأقحوان، (والعرق المجفف والبيادر) وبيارات الليمون والبرتقال، فيطير هدهدك من فيافيها ولنحلق مثلك بين جناحيه. لكن (الناس طير لا تطير)، ولأنك رأيت ما أردت (رغبتهم في الحنين إلى أي شيء، تباطؤهم في الذهاب إلى شغلهم وسرعتهم في الرجوع إلى أهلهم... حاجتهم للتحية عند الصباح)، فعلت مابوسعك من أسْطَرة يوميات الشعب الفلسطيني وخبزه وعشقه ونضاله وعرس العابرين إلى حتفهم. أنت أخذت روحنا بعيداً وفكَكت أزرار الصباحات علينا لنرى ما بوجه الأرض من طحلب وخروب الغروب، ووضعتنا بحب بين أندلس وشام، وكشفت لنا ما للأرض وما للبحر من شطآن، وعشقنا مدناً لم نزرها وأسماء لم نعرفها، وتاريخاً أردناه على مساحة حلمنا.
عوَّدْتنا أن نحب حتى التعب، وكيف يكون الصباح (فاكهة للأغاني)، وكيف يكون (المساء ذهباً)، وأن ندخل في ظل العشق ونعلق أنفسنا على (عنق لايعانق غير الغمام)، وأن نربي الأيائل مثل أبيك، وأن ننحاز للقمح المهجور حول معسكرات الجيش ولفائدة الندى، وأن نستنشق رائحة خبز أمك وقهوتها في الصباح، وأن نعشق عمرنا لأننا نخجل من دمع أمهاتنا، وكشفت لنا دلالة الحرف باسمنا فأصبحنا نعد خلفك حروف أسمائنا المختلفة، هكذا أنت بطول قامتك فارس الشعر العربي المعاصر وبيارة حيفا ويافا والجليل.
ها نحن نرثي أنفسنا ونعوِّدها أن تسبح وحدها بياسمينها (في ليل الزنازين الشقيقة والعلاقات السريعة والسؤال عن الحقيقة)، وأن (نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً)، سوف ترثيك غابة السنديان بخضرتها البهية، والهندي الأحمر الواقف أمام الغزاة، وشوارع غرناطة و(خشخشة المفاتيح)، وشوارع المدن القديمة من بابل إلى دمشق إلى بيروت إلى بغداد، لأنك تركتها على سجيتها تعيد وهج تاريخها. لكنك أضأت تاريخاً. جديداً له تاريخ الشرفات والنوافذ، وأبواباً فتحتها بلغتك وباسمك البهي.
محمود درويش.. وداعاً
النور