ثقافةُ اليتْم ... إرثُ العربيّ
ثقافةُ اليتْم ... إرثُ العربيّ
دانية بقسماطي
يُتمٌ للأوطان
يُتمٌ للآباء، يُتم للبنين
للوطن الحاضر كمساحة
الغائب كحضور
بعدما تحولت المنافي أوطاناً:
يُتمٌ لذاكرة هذا البلد
للنرجس الذابل فوق النوافذ المهجورة
وللمفاتيح المُعلّقة فوق أبواب الدور:
يُتمٌ للحلم البهي المُعلّق
للجسد المصلوب فوق صُباّر الصحاري
يُتمٌ
للجسد السابح في الفراغ، المُكبّل الأيدي
لا زاوية آمنة ينطوي فيها
ولا يد صلبة ترُّد عنهُ الضربات
تسحبهُ من الشتات:
يُتمٌ لثقوب هذه الروح
للصوت الضائع في السماوات البعيدة
المشنوق بإستحالة الوصول
يُتمٌ
ولنِداءات الشعوب الجافة بين الغيوم
يُتمٌ
للأحلام المُطرّزة بزهر اللوز، العابرة سريعاً
يُتمٌ
للأحلام المُستلبة، المبتورة
ولأنين تعايشها مع فراغ بترها:
يُتمٌ عظيمٌ لهذا الجسد
للآلىء الذكرى
والكلمات التي أضعناها من القواميس
للرسائل التي أهديناها ولم ترجع:
يُتمٌ لتاريخ هذا القلب
للمزهريات السابحة في فراغها
للعبق الشارد خارج الإناء
يُتمٌ
للرغبات المُستحيلة النائمة على شرودها
يُتمٌ
لجناح السؤال المُتأرجح فوق قمة الهواجس:
يُتمٌ لجروح الروح
للفنون التي تتبنى الشكل التعبيري الزائل
لفنون الأزمنة الحديثة
التي تتنصّل من التقليدي والقديم
للوحات تتبرّأ من الفرشاة والألوان
من الخلق الفني العظيم:
يُتمُ نزوة عابرة ونزق باهت
يُتمُ إطفاءِ القيمة والوهج والإرث الخالد
للمنطقة الحدودية في المناطق المُحتلّة
للوحدة القسرية في زمن الاحتلال
وللإستجداء ما يُمكن إختراقه من إشارات
تأتي من وراء الأسلاك وخطوط النار
للأهل الخاضعين لقنوات العدو:
يُتمُ البحث عن الوطن
يُتم البحثِ عن أسماء القُرى المُحتلّة
يُتمُ أسمائها
للون القاطن في عزلته ما وراء الجدار
للّون الأوحد
لون الغبار والدمار:
يُتمُ بريقٍ زائلٍ
للخطوات الراكضة، العابثة بالإقامة
للخُطى التي تشظّت، تبعثرت، تلاشت
على البلاط البارد:
يُتمٌ لذاكرة الأمكنة
للدروب المُحتلّة، والأزمنة المُحتلّة
وإستحالة الرجوع:
يُتمُ غروبِ العودة
لدروب العبث وأهداف العبث
يُتمٌ منذور
لأبناء هذه الصحراء
ما أوسع ثقافة اليُتم في مُفكرتنا الصغيرة
وما أكبر عنادنا، صمودنا
فوق شوك هذا الإرث العظيم !!!