صنوبرةٌ هوَت

دانية بقسماطي قرأها 844
 

صنوبرةٌ هوَت

دانية بقسماطي

Dania-Boksmaty.JPG

شاعرٌ ما ينحت قصيدةً نثرية

على جذع صنوبرةِ بهجةٍ نائية

فكيف لا يحملنا إيقاع القوافي

على امتطاء أضواء طفولتنا

نرتّل أناشيدَ مجدٍ

لقامات أشجارٍ عالية؟

كيف لا يُغافل الوقت وقتنا

وقد أدرك إمعان الغبطة في أرواحنا

يُقصينا عن انتقاء مفرداتٍ لائقة

بحضرةِ صنوبرٍ استضافنا

وكيف لتنهيدة هواء

لمحتْنا نمضي حُفاةً

أن لا ترُفّ أوراقُها علينا

وريقاتٌ رشّحها الندى

كي نعبثُ، نلهو، نترنّم

عن بعد

بالبيت الأخير من الأهزوجة

قبل أن يركلنا

الوقت

إلى ما بعد الهاوية؟

فرسٌ ما ترتعُ في السَهلِ

بأنامل الشمس،

تُسّرح ضفائرَها القمحيّة

كيف لا ننهض على وقع حوافرها

وطنين برق يتناثر في دمِنا

كيف لا نستتبع إيقاع خطوِها

لتعانق آثار خطانا النابضة

في شرايين العشب وعروق السنابل؟

Cider%2003.JPG

غريبٌ ما يدنو إلى شجرة عنب

دالية تفرش أكُفها فوق قامته،

بأذرعٍ حانية

كيف لا يستميلُهُ عنقودٌ يثرى

بثمار عابقة

كيف لا نرجئ للموسم المقبل كأساً

ليقطر الجسد الثمارا

وتتعتّق روح الدّنان

فيقطر النبيذ أنوارا؟

Cider%2002.JPG

طفلةٌ ما تتسلّق سياج الحقل

تقطف حباتِ توتٍ،

على ثوبها العالق شوكةٌ

من أعواد عوسجٍ

تخدش ساقها المشدودة كالوتر

جرحٌ طفيف،

لم يُعجزها عن كسر غصنها المثمر

كيف للحارس الرابض خلف السور

أن لا يحجب النظر

عن طفلة مٌتلبسة بسرقة

وكيف للغُصن ألاّ ينحني

ليُخفي شقاوة الواقعة؟

Cider%2003.JPG

صندوقٌ ما ينصبُ كميناً لمدينة عتيقة

على بوّاباتها أقفال،

يُزعم أنها تحرس التاريخ

فكيف لا تتطاير الأطيافُ من فم اللهب

أشلاءَ حدائق،

أساطيرَ، حكايا ومعاجم

تتأوّه، تصرخ، تستغيثُ

تنزف عرقاً وحرائق..

وكيف لا يخرج نيرون إلينا، مُقهقهاً منتشياً:

كيف لمدينة أن تُرمِّد تاريخها

لو لم تكن بذاكرةٍ مُصدّعَة؟

Cider%2002.JPG

رسامٌ ما يدقّ بريشته باب السّحاب

بشغف مُبهم،

يرسم فوق جدار الغيم صهيلاً

يلوّن غيمة تنزع حذاءها

لتهبط حافية

تنتعل شهوتها

كيف لا تتبسّم ظلالنا الساخرة

لقرميدٍ احمرّت وجنتاه

على مرأى أقدامها العارية

وكيف لا ينهال المطر علينا

من ثقوب معطفٍ، وأطراف مظلة؟

Cider%2002.JPG

حلمٌ ما يخترق جنود الزمن

في زرقة الفجر أسرجَ حصانه

امتطى الأيام

مُتسلقاً أعمدة المدى

ليقطُن حلمه

كيف يتجاهل نومنا بريق أحلامنا

كيف ننام ولا نُوقظ سُبات مناماتنا

كي نلوّن بالزمرد قطن وساداتنا

يحبو الطفل الساكن فينا

ليلهو في باحات حدائقَ صيفية؟

Cider%2003.JPG

صنوبرةٌ بريّة تُطيل السّهر على قمة التلّ

بدلاً منا،

الأكواز قواريرُ عطرٍ

تسكب الطيْبَ، البخورَ والعبق

الفضاء ينتعش سحراً

يتوقّد لذةً

يزهو احتفاء

كأنه ارتشف رحيقاً

لا يعرف مذاقَه

إلاّ حنجرتُه، التي أطلقت شهقة مدويّة؟

صنوبرةٌ

تقرأ، تشرد، تكتب

تختزنُ المِداد في ثدييها

عيناها ساهرتان

على غابة تسكن خلاياها

فكيف لطائر الحذر المتوتّر

أن لا يفُرّ من وكره مذعوراً

خادشاً عنقها

وحفاّرٌ تنشّقَ ما تقطَّر من ظلِّها

فالتقط فأسه

كي يغتال براعمَ البهجة، مُصوباً الهدف صاعقة؟

نراها،

مُسجّاةً على ظلِّها، تتهجَّى عطور جراحها:

كيف سهوتُ عن تعاليم الدُّوري

في مراقبة الغابة المطلّة على مصرعي؟!

و أعجبُ،

كيف لم أقرأ كتاب الغبطة بعين واحدة؟؟؟

Cider%2001.JPG

صنوبرةٌ هوَت من شرود

الهواء يُمشّط خُطاطات أوراقها

التراب يُلامس بمناديلِ أهدابه وجهَها

الليل يُسرج قناديله

يُعد التّمائم

ينثر البخور

يُصلي لجلالها

والأرض تتحضّر

كي تُلقي على ابنتها أبهى قفاطينها

Cider00.JPG

أما القلب

فرأيناه يتقافز ككوز صنوبر

من سفح التّل

إلى القمة في الأعالي

ليدنو

مما تبقى من صنوبريات.

Cider.JPG