لا شيء ... إلا صندوق

دانية بقسماطي قرأها 95
 

لا شيء ... إلا صندوق

دانية بقسماطي

Dania-Boksmaty.JPG

كما زائر غريب ، عُدت

اخترت يوماً مشمساً لزيارة

كنوز نائية

على عتبة خشبة عتيقة رُصِّعت بأصداف مرمرية

يدٌ حيادية همّت بطرق الباب ...

ومفتاح الأمس مُعلّق على جدار شمال الروح

لعنتُ،

ذاكرة غفلت عني

على باب زمن مهجور

انحنيتُ أستجدي الدخول

انفتح صندوق الذكرى

رهبةٌ مُرّة ، لكني عبرت

هبطتُ إلى سراديب العتمة ، بحثتُ عني

نظرتُ حولي علّني أعثر على شيء مني

على بقايا فرح في مفكرة قديمة

على نجمة فضية عُلِّقت على ضفائر عسلية

على قمر نبيذيّ ، بنفسج مُعتّق في جناحي أغنية

عساي أعثر في جيب المعطف الوردي ، على زهرة الأقحوان

عسى كمنجةٌ تدنو ، تشُمّ رائحة دمي

تئنُّ ، تبكي ، تؤنس وحشة المكان

تعثّرتُ ،

اصطدمتُ بدويٍّ هائل الفراغ

انتفضتْ اُذني

ارتعش قرطي

سقط بثقله في عتمة الصمت ، و يداي في صراع ،

لا تهدآن

بحثتُ عن حضن يُلملم أشتاتي

أحرق أضلعي لهب الشظايا

صرخت: لِما عُدت ؟

ساُغادر

أترك خطاي تقودني إلى مقعد خالٍ في حديقة منفى

عدا ظلي نحوي ، صافحني :

هل أنتِ أنتِ ؟

قلت : ربما

ربما تبدلتُ و أصبحتُ سواي

لعلّ معالمي أمّحت

فسكنتني روحٌ اُخرى

لعلّي واحدةٌ غيري ، لم تعبر من هُنا

حدّق بي صارخاً : هل نسيتني ؟

قلت : لا أتذكر ... كأنني نسيت

قال : دعيني اُناجِ روحك ، حتى أستردّ روحي

قلت : تريث ... ينقصني دليل

كي أهتدي الى روح تفلتت مني

دعنا نطأ أرض البداية

كي اُدرك أنك أنا

وتوغلتُ في أعماق الزمن القديم

يصحبني ظلّي ،

شىءٌ أشار اليّ :

ساعةُ الجيب الأثرية ، تغفو على صدى الذكريات

عقرباها تلاشيا بكسل من انقطاع الهواء

غبار طفا على وجه الزجاج

هي ، ما زالت هي ذهبية ، داكنة مائلة إلى الكستناء

هدر ظلي : يا وقت

من أنا في حضرة الآن ؟

من أنا في حضرة الأمس من عمري ؟

و ما الغدُ القريب و البعيد ؟

تكتكت : لكل شيء وقت

للمعرفة ساعة

و للجهل ساعة

للتذكر ساعة

و للنسيان ساعة

للخصب ساعة

و للجفاف ساعة

للبوح ساعة

و للصمت ساعة

للسلام ساعة

و للحرب ساعة

للتذاكي ساعة

و للتغابي ألف ساعة

ل " النّعم " ساعة و ل " اللا " ساعة

لكل وقت ساعة

و للوقت متسّع من النرجسية

يفيض أو يضيق

و للساعة وقت من المزاجية

تنقص أو تزيد

فإهدأ

واخْضع لتعاليم أيوب في الصبر المديد

المناخ ليس ملائماً الحين

لإندلاع شهوة المعرفة

و ممارسة التنقيب في أغوار التاريخ

عن هوية الزمن الغافل

أنا من قلت لنفسي : يا بنت ...

كُفّي عن الاحتكاك بفتنة و محنة الصور

حتى تنأي عن أمسِك ، و يُولد الغدُ الجديد

و أسرعتُ في المشي ،

عندئذ ، تذكرتُ ما نسيت :

مسبحةٌ تتلألأ في العُمق ، تشُعّ كنجم فريد

صاح ظلي : أين جدي ؟

قالت : رحل منذ سنين

قبل أن يكتب صخب صمته

أورثك هوايته و حرفته و عاطفته المكينة

أوصاني

قراءة سورة الرحمن

و أنت تمضي

وحدك

و تكون أنت أنت ، كما تحب نفسك و تُريد

أحقاً أنا وحدي ... قال

تنهّدت تجاعيد : لا لست وحدك

من خلف الصندوق ، رقيب

يُدقق في ضبابك و وضوحك

يرقب انتصارك و انكسارك

يشهد على رقصة الخيل ، في وهج الليل

يرصد في الحبر صهيل الريح

و يُحملق في بلل شعرك القصير

دون إذن منك

فلا تتخيل أنك مهملٌ ، لا في خيالك الشريد

و لا في حاضرك السعيد

... في نهاية هذا الليل الطويل

على باب بلاد الحنين

أرخيتُ بدني ، مُنهكة

لا ألتفت إلى الوراء

حتى لا أجد شيئاً يحمل بصمتي ، و يلهث خلفي

لا أتلفت

حتى لا تنبض في قلب الصمت صيحة ، تستوقفني

نظرتُ إلى الأمام

رأيتُ شالاً مطرزاً بفاكهة

شهية نقية

خيوطه غنية بالعاطفة ، و عافية الشمس

و شاعرٌ غامض يستلقي على ساعدي ،

يقرأ شعراً واضحاً :

لا اُريد صندوقاً اُدفن فيه

أشتهي عنق غزالة

أعزف على أوتار لآلئه

اُمطره برذاذ الضوء

و اخنقه لو أحببت ...

حملقتُ في رؤياي ، و يدُ الفجر تُلوح

تُوقظ رائحة البن في الخلايا

تذكرتك ... قلت

أنا أنا

و أنت أنا

أنا من عبرتُ ، من هُنا

أنا من سوف أكسر بلور الحنين ، هَهُنا

و أصعد على درج الفجر

عارية الروح

حافية اليدين ، الى أعلى النشيد

نشيد من يُشّيع تاريخه إلى البعيد

و الضوء ، هذا الضوء

يُوقد الملح في الوريد

و يحملني

إلى حيث أرقد في حضن الشمس ،

و أحترق من بعيد.