كرسـي القلـب - قصة قصيرة
كرسـي القلـب
قصة قصيرة
غريب عسقلاني
يفترش أرض الجادة في ميدان المدينة الرئيس، يمدد ساقه المبتورة من أسفل الركبــة، ويوسّد الرجل الخشبية بموازاة العكازة ذات الإبط الجلدي الطري اللامع.
الوجــه حليق، وشعر الرأس قصير، أسنانه ناصعة البياض وحضوره وسيم، في عينيه شرود وطيبة، وسؤال حزين، المنديل النظيف مفرود أمامه، ابتسامة راعشة ليست بلهاء لا تفارق مبسمه, لا يستجدي، ولا يصدر عنه حديث تسوّل.
بعض الجنود يؤدون له التحية العسكرية، يستدركون ويذوبون في حركة السوق، يدركون أن الميدان ليس هو الميدان، يطلقون زفراتهم ويمضون, وسرعان ما يذوبون في حركة السوق. المارة، بودّ كبير، يلقون ما تجود به نفوسهم، على أديم المنديل، تتآلف القطع النقدية أرباعاً وأنصافاً وجنيهات كاملة.
بعض المارة يهامسه، فلا يستجيب، وبعض النساء يتأملنه فيشيح بوجهه بعيداً عنهن، فلا يملكن إلا وضع ما يحملن على المنديل.
العادة، أو الواجب، أو الشفقة، ويمتلئ المنديل.. يرتّب الرجل الأوراق، يدسّها تحت الساق الخشبية، حتى لا تذروها الريح، فخطواته التي تسابق الريح اختفت، وهو الذي كان يطارد أشواقه إلى هذه المدينة النائية، ولا يرى في جفاف الحياة فيها ما يحاصر قلبه الأخضر.
يمرّ الأطفال، تضيء نوّارة قلبه، ويفيض بشراً وفرحاً، يهش لهم لا يجفلون، ولا يغذون الخطى لا يخافونه، يسلمونه أكفهم الصغيرة الطرية، يمرر راحة الطفل على صفحة خده الحليقة، ثم يقبل ظهر الكف، ويدس فيها شيئاً مما جاد به المنديل، ويمضي الأطفال بما نالوا من عطاياه.. يرفّ قلبه، يتابعهم ويضحك، ويصرّ على الضحك حتى القهقهة، يستدرج رفّة تتربع على كرسي قلبه، لا يلتفت للمارة مهما وضعوا على صفحة المنديل.. تتوسط الشمس السماء، فيختفي، ولا يراه أحد من الناس في أي درب من دروب المدينة.
سنوات تمر ويصبح علامة أو معلماً في سوق المدينة، عنواناً يستدِلُّ به الغشيم الذي يفد الى السوق لأول مرة:
- في الميدان حيث يكون صاحب الساق المبتورة، اسأل فلا تضلّ السبيل.
يتحدثون:
ان الرجل ظهر في الميدان بعد أن وضعت الحرب أوزارها، لا يعرفون له أهلاً أو رفاقاً، ويعلمون أنه اختار حجرة عند عجوز كليلة البصر، ذهب معظم سمعها، يتحدث جيرانها عن عظيم فرحتها به، ويعتقدون أنه كان يزورها في زمن ما بين الحربين وانه كان سليم الساقين، رشيق الخطوة.
ويقال:
أن العجوز، ما زالت على عاداتها، تحضر له الحمام ظهر كل يوم، وتغسل له الجلباب، ويعجب الجيران منها وهي الطرشاء تقريباً، كيف تسمعه، فهو لا يحادثها إلاهمساً.. كما يتناقل أهل الحي طقوس البكاء التي تمارسها العجوز عندما يأوي الرجل الى فراش،ه وكذلك عندما يحلق شعر وجهه كل صباح.
وفي الآونة الأخيرة، ظهر في المدينة الضابط الكبير، وشغل منصباً رفيعاً، وأثار اللغط بين السكان، واحتار في أمره الجنود الذين خاضوا الحرب، ومما أثار التساؤل ، سؤال الضابط عن الرجل ووقوفه في الميدان يراقبه، ولا يتحدث اليه، ثم تواترت الأخبار عن زيارات الضابط لمنزل السيدة العجوز في طرف المدينة، وتأفف العجوز منه، لأنه في كل زيارة يرفض ضيافتها، ويصر على منازلة الرجل على رقعة الشطرنج، وفي كل مرة يغادر قبل انتهاء اللعبة، وفي كل مرة يسأله الرجل:
- لنكمل اللعــبة.
- لا، فأنت تعرف نهاية الشوط
- لكنك ربحت الشوط الأول!
- أنت عنيد
يمضي الضابط تاركاً الرجل أمام الرقعة ينازل شخصاً وهمياً، وعندما يقترب من كسب الجولة، تتلبسه حالة ذعر، فيهدم مسرح المعركة ويخلط البيادق، وينكس رأس الملك، ويهزأ من جميع الأفيال والأحصنة، ويجاهد سعالاً جافاً يتجمع في صدره، لا يستطيع بصاقه، لا يخلصه من الإختناق إلا كوب الماء، الذي تقدمه العجوز في اللحظة المناسبة.
تحتج العجوز..
- لماذا يأتي الضابط؟
- من باب الوفاء لعمر مضى
- أو هو الثأر؟
- أغربي عن وجهي
وفي كل يوم يلثم ظاهر الأكف الطرية، ويحدق في العيون الطفلة، ويرف قلبه، لكن رفة تتربع على كرسي القلب لم تأت بعد.
***
أخــبره الممرض في المستشفى الميداني وبعد التئام جرح البتر انها حضرت وذرفت دمعاً غزيراً،
- من هي؟
- زوجتــك!
- أنت مخطئ،
واستدرك الممرض أمام نظرات الطبيب الزاجرة، التي يذكره أن الجريح فقد الذاكرة مع صدمة الإنفجار، فتمتم:
- من يعاشر تلك العيون كيف تضيع ذاكرته
وعندما عاد زميله الذي أتى به الى المستشفى، لم يتعرف عليه أيضا ، فحدثوه عن المرأة التي ذرفت دمعاً غزيراً حتى أغمي عليها، ولما أفاقت من الغيبوبة توسلت للطبيب مشيرة الى بطنها:
- إبــن من هــذا؟
أيام وشهور، وظهر صديقه الملازم ترافقه المرأة وباقة ورد، تعرف عليها، واحتضنها أمام الجميع، وأمام الجميع تسمّر.. قال الطبيب وقد انتحى بالملازم جانباً:
- حدثت المعجزة، وعادات ذاكرته، رغم أن صور الدماغ لا تشير إلى إمكانية التحسن بأدنى نسبه، قد يكون السبب ما زودتني به عن حياته ومقدار حبه لخطيبته الحامل وفجأة انشبت المرأة أظافرها في عنق الطبيب.. وصرخت:
- أنت السبب
- كيــف؟
- كنت يائسـة من عودتــه اليَّ
رفرفت وسقطت هامدة، وعندما أفاقت كانت تبلل الأرض، كانت تنوح وتخفي وجهها بشعرها المنكوش.
- أجهضت حملي خوفاً من نكران الوليد، وسعيت للطلاق حتى لا أبقى في المنطقة المنسية.
قال الطبيب:
- المعجزة أم القدر، عادت ذاكرته وحيرتنا، يتحدث في أدق التفاصيل، ويتوقف كثيراً عند رعشة الجنين تحت جدار البطن.. أهو الخوف أم الرحمة؟
وقيل أن الطبيب نزع عنه الثوب الأبيض، ولم يعد لممارسة المهنة.
***
وذات يــــوم.
حضـــر الضابط، وكان يرتدي جلباباً أبيض، ونعلاً خفيفاً، هشت له العجوز وأجلسته، وفردت بينهما رقعة الشطرنج، فلم يجرؤ أي منهما على ترتيب الرقعة.. قــال الضابــط:
- نلعب حتى نهاية الشــوط
- لن ألعب فأنت من سيربح اللعبة
- مــن يدري؟
- لأنك أصبحت أباً.
- وكيف عرفت؟
- زارني الطفل في الحلم وتربع على كرسي القلب.
- هي حامل فعلاً !؟
- إذن ربحت الشوط
- تعلم أني وقفت بجانبها من أجلك، ولكني أدركتها بعد أن أجهضت في غمرة يأسها، كانت تخشى الفضيحة
- الإجازات الميدانية لم تمكننا من تسجيل الزواج.. أين ابني؟!
- حكموا عليه في الحيز المنفي
- ولكنها عادت وحملت
- عاشرتها فحملت، ونحن بانتظاره
- هل تعلم انني ما زلت أعاشرها في الحلم؟
- هيا نلعب
- نكستُ رأس الملك ولن أعود الى اللعب.
- هذا سلوك النعامة
- هذه الهزيمــة
غــادر الضابــط يائســاً وعند الباب استوقفه
- ولماذا اقتفيت أثري الى هــنا؟
- أمر القيــادة.
- ولكن الحــرب توقفت.
- الأمــر يتعلق بالغنائم، والترقية مشروطة بالخدمة بعيداً عن مركز القرار، ولم أكن أعلم بوجودك هــنا
- وهل نسيت من آوتنا يوم كنا نصنع الأحلام؟ .
* * *
مـــر عـــام
اقتحم الجنود البيت، صوبوا البنادق الى صــدرها.. أبلغــه الضابط بحــزم
- إيــاك أن تفترش أرض الجــادة.
- هو مرصدي والناس شهـــود.
- لا مكان للتسول في المدينـــة.
- هلا لعبت معي الشــوط الأخــير؟
- ليس لدي وقــت
جذبــه من طرف بزته العسكرية.. توسل اليه:
- أريد أن أحدق في عينيه، ألا تشبهان عينيها؟
بُهـــت الضــابـــط:
- بـــلــى
- دعـــني ألثم كفـــه وأحدق في عينيه، حتى تهبط رفة ما زالت معلقة على كرسي القلـــب.